جهاد عودة يكتب: مرصد أيام الرئيس ترامب فى الحكم (2)

بمعزل عن الجدل الذي أثارته القرارات التنفيذية التي أصدرها الرئيس دونالد ترامب منذ دخوله البيت الأبيض في الـ20 من يناير، شهدت الولايات المتحدة قرارات تنفيذية رئاسية غيرت تاريخها. ولابد من الإشارة إلى أن معظم القرارات التنفيذية خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن الـ20 كانت مجرد عمل روتيني يقوم به الرؤساء، مثل الرئيس فرانكلين روزفلت الذي كان عليه أن يصدر قرارا تنفيذيا في كل مرة أراد فيها إعفاء أحد المواطنين من التقاعد الإجباري. وهنا خمسة قرارات تنفيذية تركت بصمتها في تاريخ الولايات المتحدة، والبداية مع الأحدث:
عام 2001 والقرار التنفيذي رقم 13228: بموجب هذا القرار التنفيذي الذي اتخذه الرئيس جورج بوش الابن تم إنشاء مكتب الأمن الوطني، الذي أصبح فيما بعد وزارة الأمن الوطني في الولايات المتحدة. وتضم الوزارة 22 وكالة فدرالية تتركز مهمتها في حماية البلاد داخليا ومحاربة الإرهاب على وجه الخصوص.
2- عام 1965 والقرار التنفيذي رقم 11246: الرئيس السابق ليندون جونسون مصافحا زعيم الحقوق المدنية مارتن لوثر كينغ عام 1964 ، ألزم قرار الرئيس ليندون جونسون المؤسسات الحكومية الأميركية بتقديم فرصة توظيف عادلة للجميع من دون تمييز على أساس العرق أو اللون أو الدين أو الأصل. وحسب موقع وزارة العمل الأميركية أطلق هذا القرار التنفيذي جهود الحكومة في محاربة التمييز العنصري في مجال العمل. وفي مرحلة لاحقة تم إلزام الشركات التي تتعاقد في أعمالها مع الحكومة ببنود القرار، ليمتد تنفيذه في ما بعد إلى القطاع الخاص.
3- عام 1961 والقرار التنفيذي رقم 10924: تجاوز تأثير قرار الرئيس جون أف كينيدي عام 1961 حدود الولايات المتحدة إلى دول العالم، عندما أعلن إنشاء فرق السلام التي تطوع فيها منذ تأسيسها وحتى الآن أكثر من 220 ألف أميركي لتقديم المساعدة للناس خارج الولايات المتحدة والتعريف بالثقافة الأميركية إلى جانب التعرف على الثقافات الأخرى.
4- عام 1948 والقرار التنفيذي رقم 9981: جاء القرار التنفيذي للرئيس هاري ترومان ليكون نواة لإلغاء التمييز العنصري في القوات المسلحة الأميركية، إذ ركز القرار إلى تطبيق المساواة في المعاملة والفرص لجميع أفراد القوات العسكرية الأميركية من دون النظر إلى العرق أو اللون أو الدين أو الأصل.
5- عام 1942 والقرار التنفيذي رقم 9066 : على عكس سابقيه لا يتمتع هذا القرار بسمعة جيدة، إذ أصدره الرئيس فرانكلين روزفلت بعد 10 أسابيع من الهجوم الياباني المباغت على الأسطول الأميركي في ميناء بيرل هاربور بجزر هاواي. وبموجب هذا القرار منحت القوات الأميركية صلاحية نقل جميع الأميركيين من أصل ياباني من كامل الساحل الغربي باعتباره منطقة عسكرية إلى مخيمات اعتقال أمضى فيها حوالي 110 ألف شخص عامين ونصف العام في ظروف سيئة. وكان هجوم بيرل هاربور مفصليا في تاريخ الولايات المتحدة، إذ أعلنت على أثره دخولها الحرب العالمية الثانية.
فى قول اخر ما بفعله فريق ترامب و وبنس ليس شيئا جديدا على الاطلاق . ومايك بنس نائب الرئيس الأميركي دونالد ترمب والنائب رقم 48 في تاريخ الولايات المتحدة، من مواليد 1959 وهو الآن في الـ 58 من عمره، وهو رجل له تاريخ عريض في السياسة رغم بعض الإخفاقات التي مرّ بها، لكن جلّ أعماله تتعلق بولايته التي ولد فيها وعمل لأجلها، حيث إنه يندر أن تجد له أنشطة خارجها، وهي ولاية إنديانا التي رأى فيها النور لأول مرة بالتحديد في كولومبوس في 7 يونيو 1959. هو واحد من ستة أبناء لإدوارد ونانسي بنس، والديه. وقد هاجر جده لأميركا في سن الـ 17 حيث استقرت العائلة في الغرب الأوسط، وقد نشأ مايك في عائلة جاهدت لتبني حياتها الناجحة في التجارة وصنعت لها اسما معتبرا. وقد عاش بكنف والديه اللذين أسسا متجراً في مدينة صغيرة بإنديانا ما أكسبه في نشأته الإيمان بأهمية العمل الجاد والأسرة والحكمة. في عام 1981 فقد تخرج من جامعة هانوفر، حيث حصل على البكالوريوس في التاريخ، وفي تلك الفترة عمّق من إيمانه المسيحي الذي يراه القوة الدافعة في الحياة. وبعدها دخل كلية القانون بجامعة إنديانا حيث قابل محبوبته وزوجته السيدة الثانية كارين بنس، وقد حصل على الدكتوراه عام 1986. بعد التخرج تدرب مايك بنس في مجال القانون، حيث قاد مؤسسة إنديانا لمراجعة السياسات، كذلك قدّم برنامج “مايك شو” في الإذاعة والتلفزيون بإنديانا وهو برنامج أسبوعي وكان ذلك في الفترة من 1994 إلى 1999، وعلى طول الطريق أصبح أبا لثلاثة أبناء هم: مايكل، شارلوت، وأودري.
وإذا فشل مرتين في دخول الكونغرس إلا أنه لم يعرف اليأس ونجح في المرة الثالثة ليجدد ولايته بعدها ست مرات ويصبح حاكم إنديانا الذي حقق لها أكبر ازدهار اقتصادي ورفاهية في تاريخها منذ قرنين، وهو أمر قد لا يصدق لولاية تشكل ملتقى طرق. وقد اعتبر البيت الأبيض أن “قصة مايك بنس مع ولاية إنديانا كانت هي قصة النجاح التي نقلته للمرحلة الراهنة في حياته بأن يشغل منصب نائب الرئيس “فقد بنى سجلا من الخبرات التشريعية والتنفيذية” يضاف لذلك قيم العائلة القوية، وهي الأسباب التي دفعت ترمب لاختياره مساعدا له منذ يوليو 2016. ويقول مايك بنس نفسه إنه ممتن لنعمة الله والحب والدعم من عائلته ونعمة الحرية التي يعيشها كل أميركي، وإنه ينظر إلى الأمام للعمل مع الشعب الأميركي ومعا سيجعلون أميركا عظمى مجدداً. وفي البداية كان قد دعم بنس المرشح تيد كروز في حملة الانتخابات التمهيدية ولم يكن على اتفاق مع ترمب، ودان وقتها فكرته في منع المسلمين من دخول الولايات المتحدة، لكن عاد للوقوف مع ترمب ليصبح من أكثر المقربين له.
بخصوص أفكاره عن الشرق الأوسط فتصب بحسب برنامجه الذي سبق أن طرحه في الآتي:
– بخصوص ليبيا، يقف مع حظر المسلحين والتصدي لهم دون الحاجة لمشورة الكونغرس.
– كان من الداعمين لغزو العراق ومن مناصري بوش في هذا الإطار وكان يرى عدم تحديد موعد لسحب القوات.
– يدعو لضرب النظام السوري وفكّ الحصار عن حلب والأماكن المحاصرة ومتشدد تجاه موقف روسيا في سوريا.
– يعارض الاتفاق النووي مع إيران ويراه ضد مصلحة الولايات المتحدة.
– يعارض إغلاق معتقل غوانتانامو.
– يرفض حظر دخول المسلمين لأميركا ويراه مهينا، لكنه يؤيد وقف اللاجئين السوريين.
– يقف مع إسرائيل فيما يسميه حربها ضد “الإرهاب وتفكيك البنية الإرهابية” ويدين “العمليات الانتحارية الفلسطينية”، ويدعو المجتمع الدولي للاستجابة للاحتياجات الإنسانية للفلسطينيين.
دعنا نتعرف على عشرة رؤى ساهمت إلى حد كبير في تشكيل نظرته للحياة وخبراته، وربما تلعب دورا مهما في المرحلة المقبلة في موقعه السياسي كنائب لرئيس الولايات المتحدة:
أولا: ينحدر مايك بنس من أسرة كاثوليكية ذات أصول إيرلندية حيث ولد في ولاية إنديانا وعاش بين عائلة حسنة الذكر وتؤمن بالعمل الدؤوب، وهو إلى اليوم معلق بهذه المنطقة ويريد أن يرد لها الكثير من جمائلها التي وهبتها له، حيث يؤمن بذلك وقد قدم لها فعلا بعض ذلك في تحقيق الازدهار الاقتصادي بها كحاكم.
ثانيا: يعتبر الرئيس الأميركي الأسبق جون كينيدي الذي قتل في 22 نوفمبر 1963 ملهما له، وقد تكون لأصول كينيدي الإيرلندية دور في ذلك، فكلاهما مايك بنس وكينيدي من نفس الجذور، برغم أن حزبه كان الديمقراطي، في حين أن مايك انتمى للحزب الجمهوري. لكن وجه التشابه بين كينيدي وترمب الذي سيكون ملهما جديدا له، أن الاثنين ينحدران من عائلة ثرية جدا.
ثالثا: بدأ حياته متأثرا بالديمقراطيين تحت تأثير العائلة وقد كان يستلهم لفترة رونالد ريغان الرئيس الديمقراطي الذي حكم أميركا في الفترة من 1981 إلى 1989، وقد دخل الكونغرس لأول مرة عن الحزب الجمهوري في عام 2000 بعد محاولتين فاشلتين في عامي 1988 و1990 وأعيد انتخابه بعدها لولايات أخرى على مدى 12 عاما أي لست مرات من قبل أهالي إنديانا. وقد دشن حقبة الكونغرس وهو على أعتاب الأربعين من عمره ليبدأ مسارا سياسيا جديدا.
رابعا: قبل دخوله كعضو في الكونغرس عمل في محطة إذاعية لليمين وقد صنف نفسه كما لو أنه “رغوة قهوة منزوعة الكافيين”. وفي سلسلة من الأعمال ما بين القانون ومراجعة السياسات القانونية بالولاية إلى دخول الكونغرس شكّل بنس مجموعة من الخبرات متعددة الأطراف، التي عرفته بشكل خاص باعتباره صاحب قدرات قيادية ومعارف جمة بالمسؤوليات المالية والتنمية الاقتصادية والفرص التعليمية والدستور الأميركي، ما جعل زملاءه في الكونغرس يختارونه لرئاسة لجنة دراسة الجمهوريين بمجلس النواب، ومن ثم رئيس مؤتمر الجمهوريين بمجلس النواب. وفي هذا الدور فقد عمل على نظرية جعل الحكومة أكثر صغرا وأكثر فعالية، بخصوص تقليل التكاليف وإعادة السلطات إلى الولايات والحكومات المحلية.
خامسا: متزوج من زوجته كارين منذ عام 1985 ولديهما ثلاثة أطفال سبق ذكرهم. وفي مسائل الأطفال والتربية فقد انعكس ذلك أثناء شغله منصب حاكم إنديانا حيث عمل على زيادة ميزانية التعليم وتنويع نطاق الاختيار في المدارس، وكان أول من أنشأ خطة وميزانية للمدارس التمهيدية ما قبل الروضة “دون الـ كي”، كما جعل التعليم المهني والتقني أولوية في كل المدارس الثانوية.
سادسا: يعتبر بنس خيارا آمنا لترمب فهو مسؤول جمهوري قضى فترة طويلة مع الحزب ويتمتع بعلاقات وثيقة على حد سواء مع كبار قادة الحزب والقاعدة الشعبية. وقد أشاد أعضاء المؤسسة الجمهورية بخبرته ومواقفه الصلبة وسيرته الزاهرة. فالرجل عمل لمدة 15 سنة في مؤسسات الحزب، حيث بدأ كعضو في الكونغرس ومن ثم حتى 2013 عين حاكما لولاية إنديانا موطنه. وفي أيام الانتخابات وفي مناظرة بأكتوبر ضد النائب المفترض لهيلاري كلينتون تيم كين أبدى بنس لباقة غير عادية بعكس ترمب، وكان يحوّل الأسئلة الصعبة التي تنتقد المرشح الرئاسي إلى نقاط إيجابية بكل سهولة، وبطريقة هادئة جدا.
سابعا: من الداعين لخفض سياسات الإنفاق الحكومي وذلك منذ أن كان في منصبه كحاكم ولاية، وهو من أنصار سياسة الـ Fiscal conservatism التي تركز على عدم هدر المال العام وقد عرف بموقف محافظ وواضح في هذا الإطار. وكان قد أسس لهذا المبادئ في واشنطن التي غادرها في عام 2013 ليكون في منصب حاكم إنديانا من قبل مواطنيه، ليصبح الحاكم رقم خمسين للولاية. وهنا جاء بفكرته وفلسفته حول الضرائب وتقليص الحكومة إلى إنديانا، وفي فترته صادق على أكبر خفض من نوعه على ضريبة الدخل في تاريخ الولاية بحيث قلص من ضرائب الدخل على الأفراد والضرائب على الممتلكات الشخصية وكذا ضرائب الشركات المساهمة، وكان هدفه تعزيز القدرة التنافسية للولاية وكذا استقطاب استثمارات جديدة ووظائف ذات رواتب جيدة. وقد نجح خلال أربع سنوات من ولايته أن يخفض معدل البطالة بمقدار النصف، وبنهاية عهده فقد أصبح مواطنوه يشغلون الوظائف، أكثر من أي وقت مضى ولـ 200 سنة سابقة في تاريخ إنديانا وهو إنجاز خرافي، وقد وردت هذه المعلومة بموقع البيت الأبيض الرسمي في تعريف وسيرة مايك بنس. وقد انعكست سياسته الاقتصادية والتنموية في إنديانا التي تعرف بـولاية في “مفترق الطرق الأميركية” على البنية الأساسية كذلك، حيث أنفق أكثر من 800 مليون دولار من المال في مشروعات الطرق والجسور بالولاية، وهو النهج نفسه الذي يحبذه ترمب في سياسته التي يعلن عنها اليوم وأكدها في خطاب التأسيس الرئاسي. وبرغم التخفضيات الضريبية والاستثمار في البنية الأساسية إلا أن مايك بنس جعل الولاية قادرة على تمويل مشروعاتها بجدارة حيث عمل مع مجموعة من رجالات الجمعية العامة في إنديانا لكي يمرر اثنين من أكثر الميزانيات الشفافة والمتوازنة التي جعلت الولاية في وضع قوي من حيث الاحتياطات المالية بمركز AAA في التصنيف الائتماني، ما جعلها في موضع حسد أمام الولايات الأخرى.
ثامنا: أثار جدلا في عام 2015 عندما وقّع على تنفيذ قانون استعادة الحرية الدينية المثير للخلافات في أميركا، الذي يوسع الحريات ويتيح أو يسمح لرجال الأعمال والسياسيين تغيير مواقفهم العقائدية إذا ما كانت السياسات على خلاف مع معتقداتهم. لكن خصوم هذا التشريع يرون أنه تمييزي ضد المثليين والتحول الجنسي والإجهاض، حيث انتقده تيم كوك الرئيس التنفيذي لشركة آبل وغيره من رجال الأعمال البارزين. وقد وقع بنس لاحقا نسخة منقحة من القانون ولكن قبل إعطاء فرصة كافية للنقاش حول المسودة الأولى.
تاسعا: يبدو مايك بنس وترمب كمتناقضين ففي حين الأخير رجل أعمال يميل للبهرجة والاستعراض، فإن مايك رجل يقيس كل شيء بدقة، وكان قد تحدث ضد الحملات ذات الطابع السلبي، وقد أكد ترمب أنه لا يرغب في “كلب مهاجم” بقدر ما يريد شخصا يساعد في إيصال مقترحاته إلى الكونغرس، لهذا رفض آخرين مثل نيوت غينغريتش وكريس كريستي لصالح بنس، بنظرية ما يسمى بـ “الخيار الآمن”. وبشكل عام فإن علاقته مع ترمب تبدو صلبة جدا. وبرغم أن منصب نائب الرئيس يبدو غير ذي قيمة أحيانا كما سبق أن وصفه جون نانس غارغر الذي سبق أن عمل لفترتين نائبا للرئيس الأميركي روزفلت، وقال إنه منصب محبط، بل ربما لا يستحق وشبهه بـ “دلو فارغ” أو “بصاق غير ضار”، إلا أن مايك بنس يبدو كما لو أنه سوف يجعل هذا الدلو له قيمة ومليء تماما، بلعب دور محوري في حكومة ترمب بل دورا مركزيا، يساعد إلى حد بعيد في إخراج القرارات بشكل متوازن. فعلاقة ترمب المتفككة مع المؤسسة الجمهورية سوف تفرض على الكثيرين الاتصال مباشرة بمايك بنس، خاصة أنه صاحب مهارات في التفاوض وإدراك النقاش الإيجابي، ما يرفع الطلب عليه، وقد حدث ذلك في أيام الانتخابات بوضوح.
عاشرا: كان قد وصف سياسة ترمب بخصوص منع المسلمين من دخول أميركا أيام الحملات الانتخابية بأنها “هجومي وغير شرعي” وذلك قبل إقراره كنائب للرئيس. والرجل بشكل عام قد يختلف مع ترمب في بعض الأمور بشكل علني لكنه يسوق مبرراته المنطقية، فعلى سبيل المثال أعلن في مناظرته في أكتوبر ضد نائب هيلاري المفترض، أنه ضد التدخل الروسي في سوريا ومناصرتها لبشار الأسد كحليف، وكان ذلك جديرا بالنظر في موقفه من الحرب في سوريا بشكل عام بخلاف ترمب، الذي قال إنه يريد القضاء على داعش في العراق وسوريا لكنه لم يتطرق إلى موضع روسيا أو الأسد بالوقوف ضده، بل إن ترمب في أكتوبر كان قد أشاد بسياسة فلاديمير بوتين في روسيا ووصفها بـ “الشيء الرائع”.
فى قول محدد سيعمل بنس على جعل مواقف اليمينيه المتطرفه لترامب تاخد هيئه اليمين المحافظ وتصير مقبوله لجمهور حزب الجمهوريين . في خطاب تنصيبه، تعهد الرئيس دونالد ترامب بإنهاء “الإرهاب الإسلامي المتطرف” من “على وجه الأرض”. أكبر ملازميه حدد أهداف هذه الجهودات. ريكس تيلرسون في أثناء تعيينه وزيرًا للخارجية، جمع تنظيم داعش والقاعدة والإخوان المسلمين وبعض العناصر في إيران، على الرغم من أن شيعة إيران تعارض بشدة داعش والقاعدة، والإخوان المسلمين والسنة الأصوليين بدرجة أقل. ويبدو أن الدائرة الداخلة لترامب، لديها نفس وجهة النظر غير البصيرة. وشرح سيتفين بانون من خلال توجيهه لكلمة للحضور في 2014 “أعتقد أننا يجب أن نأخذ موقفًا عنيفًا جدًا جدًا جدًا ضد الإسلام المتطرف.. إذا نظرت إلى الوراء على تاريخ طويل من النضال اليهودي المسيحي ضد الإسلام، صدقت أن أجدادنا حافظوا على موقفهم، وأعتقد أنهم فعلوا الشيء الصحيح.” ويصرف النظر عن “صراع الحضارات” الكاسح، فإن هذا المشروع يبدو ضئيلًا بشكل ملحوظ في التفاصيل. على الرغم من أن بانون، على سبيل المثال، عدواني تجاه السعودية، لكنه لم يقل وجهة نظر فيما يخص إيران، ولم يظهر أي تفهم للخلافات والاختلافات بين السنة والشيعة. ويعرف مايكل فلين بـ”فوبيا إيران”. ويرى جيمس ماتيس، وزير الدفاع، شخصًا له تأثير معتدل في وزارة ترامب، لكنه قال إن إيران وداعش، بينهما تعاون وثيق. ويتردد فوبيا الإسلام، الموجود لدى فلين وبانون، عند بعض الشعبويين، الذين لديهم نفس التفكير في أوروبا، ما يعد جانبًا واحدًا من ثورتهم ضد العولمة. لكن بشأن إيران، يبدو أن الآراء متباينة. وتعتبر أقوى ممثلة عن اليمين المتطرف في أوروبا، مارين لوبان، زعيمة الجبهة الوطنية الفرنسية، وفق استطلاعات الرأى، واحدة من أبرز المتنافسين للرئاسة في مايو 2017. من خلال دورها كعضو في البرلمان الأوروبي، فإن لوبان أعربت عن وجهات نظر معتدلة بشأن إيران . على سبيل المثال قدمت العديد من التعديلات على رأي لجنة التجارة الدولية في البرلمان الأوروبي، بشأن العلاقات بين إيران والاتحاد الأوروبي، بعد صفقة الأسلحة النووية . واحدة من هذه الاقتراحات، أزالت اللهجة الأصلية عن إيران “العزل الذاتي”، واستبدالها بخطاب الاتفاق النووي “ما يجعل الأمر ممكنًا للدول الأوروبية للتعاون مع إيران، لمصلحة الجميع. وواحدة من هذه الاقتراحات، تأسف “لتدخل الاتحاد الأوروبي في شؤون إيران الدخلية”، وتأكيد أنها لها الحق في القيام بخيارات سيادية.

في السياق ذاته، رفضت أيضاً استخدام الاتحاد الأوروبي اقتصاده ونفوذه للضغط على إيرا،ن في سبيل أجندة حقوق الإنسان، محذرة أن مثل هذا النهج يمكن أن ينظر إليه على أنه فرض قيم غربية واستعمار ثقافي. وفي إشارة للعقوبات الأمركية الحالية على إيران، فإن لوبان تحث دول الاتحاد الاوروبي على الدفاع عن الشركات الأوروبية، ضد ” التطبيقات التى تتجاوز الحدود الإقليمية للقانون الأمريكي” . ولم يتم تبني أي من هذه الاقتراحات، بسبب أن هناك اتفاقية غير مكتوبة، بين أكبر جماعتين في البرلمان الأوروبي، بعدم التصويت لأي مقترح من أي عضو في الاتحاد الأوروبي والحريات، جماعة يمينية متطرفة “الجبهة الوطنية”، وتعتبر لوبان عضو مؤسس بها. بدلاً من ذلك، في مرحلة متاخرة تبنى البرلمان الأوروبي التقرير المعتدل والبرجماتي، بشأن اقتراحات علاقات إيران مع دول الاتحاد الأوروبي، التي قدمها عضو بريطاني في المجموعة الديموقراطية الإجتماعية. عضو آخر من اليمين المتطرف في البرلمان الأوروبي، أودو فويت، من النازين الجدد في الحزب الألماني الديموقراطي الوطني، يجلس مع الوفود التى تتحدث بشأن العلاقات بين إيران والإتحاد الأوروبي. عدة أسباب، يمكن أن توضح الولع الواضح لليمين المتطرف الأوروبي بإيران: أولاً يجب أن ترى جزءًا من الرفض الشعبوي لـ”نخبة العولمة الليبرالية”، بمفهومها عن حقوق الإنسان العالمية، والسوق الحرة. مثل روسيا، بتشديدها على القيم التقليدية، فإنه ينظر إلى إيران مع نظامها من الحكم والسياسة الخارجية، كتجسيد مثالي لتحدي هذه النخب، ومن ثم، فإنها تستحق الدعم. بعض المتطرفين الأوروبيين، معجبون بالنظام الإيراني، لنفس الأسباب التي يكرهها الأوروبيون لأجلها، مثل الاستخدام واسع النطاق للإعدام، التى يحلمون ياستعادتها في أوروبا. ثانياً، دعم إيران قد يرى كإثارة في أعين النخب القارية، التي تتمتع بعلاقات جيدة مع الممالك الخليجية، خصوصًا السعودية وقطر، حيث تعرف الطبقة السياسية الأوروبية، وأجهزة المخابرات، بدعمها للوهابيين المتطرفين، ويتم لومهم على الهجمات الأرهابية في باريس وبروكسل .
في النهاية، فإن سجل تصويت اليمين المتطرف في البرلمان الأوروبي، تقترح أنه بالنسبة لهم، تعتبر أيران قضية مفيدة، بدلاً من كونها أمرًا سيئًا ومعقدًا. على سبيل المثال، على الرغم من كل الخطابات الودية السطحية لإيران، فإن أكثر أعضاء “حرية وأمم أوروبا”، إما امتنعوا عن التصويت أو صوتوا ضد تقرير هويت “امتنعت لوبان نفسها”. وبالمثل، على الرغم من كل السحق السعودي، فإن لوبان وثلثي أعضاء “حرية وأمم أوروبا” صوتوا ضد الاقتراح، الذي يدعو إلى تقديم حظر الأسلحة ضد السعودية، في إطار قرار البرلمان الأوروبي المتبنى في فبراير 2016، بشأن الوضع الإنساني في اليمن . وهذا يوضح أنه من غير المرجح أن يلعب اليمين المتطرف الأوروبي دور ممثلي إيران في الشعبوية الأطلسية الوليدة. ومن المرجح أكثر إذا وصل اليمين المتطرف الأوروبي على قمة السلطة في الدول الأوروبية، لن يسمح لوجهات النظر المختلفة بشأن إيران، أن تقف في طريق الأجندة المشتركة في كره الإسلام، مع أمثال بانون وفلين، حتى إن كان ذلك يعني تدمير الصفقة النووية. ما يعتبر سببًا آخر لتجنب مثل هذا السيناريو بأي طريقة .
فاجأ الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، دول الشرق الأوسط وروسيا بالكشف عن مسودة قرار تنفيذي يعتزم التوقيع عليه، ويقضي بمطالبة وزارتي الدفاع والخارجية الأمريكيتين، خلال 90 يوماً من تاريخه، بوضع خطة لإنشاء مناطق آمنة في سوريا ومحيطها لحماية المدنيين السوريين، وهي خطوة تخلط – بمجرد الإعلان عنها – الكثير من الأوراق والترتيبات القائمة في المنطقة، التي صاغتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، من خلال انكفائها الحاد وتخليها غير المعلن عن الملف السوري برمته. وبحسب ما كشفت وكالة “رويترز” الأربعاء 25 يناير/كانون الثاني، قالت مسودة القرار: “توجه وزارة الخارجية بالتعاون مع وزارة الدفاع في غضون 90 يوماً من تاريخ هذا الأمر بوضع خطة لتوفير مناطق آمنة في سوريا وفي المنطقة المحيطة، يمكن فيها للمواطنين السوريين الذين نزحوا من وطنهم انتظار توطين دائم، مثل إعادتهم لبلادهم أو إعادة توطينهم في بلد ثالث”. وتشير هذه العبارات إلى أن المناطق الآمنة المزمع إنشاؤها لن تشمل جميع الأراضي السورية، بما أن بعض النازحين السوريين سواء في الداخل أو في الدول المجاورة سيتمكنون من العودة إلى وطنهم، في حين سيتم إعادة توطين من لم يتمكنوا من العودة؛ لأن مناطقهم لم يتم تأمينها، في بلد ثالث. وتعد خطوة إقامة المناطق الآمنة في سوريا تحولاً عميقاً في السياسة الأمريكية تجاه هذا البلد الذي لحق الدمار معظم مدنه، وشردت الحرب الملايين من سكانه، فقد قاوم الرئيس السابق باراك أوباما طويلاً، وحتى نهاية ولايته، ضغوط الكونغرس ومسؤولين في وزارة الخارجية، وضغوط حلفاء واشنطن وعلى رأسهم تركيا في هذا الشأن. وجادل أوباما بأن خطوة كهذه ستؤدي بالضرورة إلى انخراط عسكري أمريكي أكبر، وموارد إضافية، لكنّ خصومه ومحللين رأوا في سلوك أوباما محاباة ظاهرة لإيران، التي تتمتع بنفوذ كبير على نظام الأسد، ومحاولة منه لعدم التعكير على إنجاز الاتفاق النووي التاريخي معها أو إفشاله.
ورغم المفاجأة التي أحدثها الكشف عن عزم ترامب التوقيع على القرار، فإن الرئيس الأمريكي في الحقيقة لا يعدو أن يكون منفذاً لقانون “سيزر” الذي أقره الكونغرس منتصف نوفمبر/تشرين الثاني الماضي؛ أي قبل نحو 10 أسابيع فقط من نهاية ولاية أوباما وبعد أيام من إعلان فوز ترامب بانتخابات الرئاسة، وأمهل القانون “الرئيس المقبل” 90 يوماً لوضع خطة لإنشاء المناطق الآمنة. وسبق أن عارضت إدارة أوباما القانون ونجحت في تأجيل مناقشته في سبتمبر 2016. قانون “حماية المدنيين” أطلق عليه اسم “سيزر”، تيمناً بالاسم المستعار لضابط منشق عن نظام الأسد، سرّب 55 ألف صورة لـ11 ألف معتقل قتلوا تحت التعذيب حتى عام 2014، وعرضت تلك الصور في الكونغرس الأمريكي، وأثارت ردود فعل غاضبة، يدعو الإدارة الأمريكية لفرض عقوبات جديدة على نظام الأسد وكل داعميه من الدول والكيانات، بما فيها إيران وروسيا. كما ينص على فرض عقوبات على أي كيان يتعامل مع قطاعات حكومية خاضعة لسيطرة الأسد؛ بينها قطاعات الطيران والاتصالات والطاقة. “قانون سيزر” أكد أن بشار الأسد مسؤول عن مقتل أكثر من 400 ألف مدني، وتدمير أكثر من 50% من البنية التحتية السورية، وتشريد أكثر من 14 مليون نسمة، واتهمه صراحة بارتكاب جرائم حرب. كما ذكر القانون أن المجتمع الدولي فشل في حماية المدنيين من هجمات قوات الأسد وحزب الله، التي استهدفتهم بالبراميل، والأسلحة الكيميائية، واستخدام التجويع كسلاح، واستهداف المدنيين في تجمعاتهم ومنشآتهم. واللافت في قانون الكونغرس تحميله نظام الأسد المسؤولية عن ظهور التنظيمات “الإرهابية” مثل “داعش” و”جبهة النصرة”، وهي نقطة بخلاف ما تحدث عنه ترامب خلال حملته الانتخابية التي دعا فيها لعدم التركيز على الأسد؛ لأنه يقاتل التنظيمات الإرهابية، بحسب وصفه. وأمهل القانون الرئيس الأمريكي 90 يوماً ليقترح آلية منطقة حظر جوي في سوريا، وفي حال تجاوز المدة ستقوم لجنة الشؤون الخارجية والدفاع بتقديم المقترح للرئيس. ومن المرجح أن تؤدي الخطوة الأمريكية الجديدة إلى إرباك بعض الحسابات الإقليمية المرتبطة بالملف السوري، وربما إعادة رسم المشهد بعدما رسمته المعطيات الميدانية الجديدة، ورجحان كفة الأسد وداعميه عسكرياً؛ نتيجة الانسحاب الأمريكي المتعمد من الملف لحساب الدور الروسي، ونشوء مسار جديد للتسوية برعاية روسية وشراكة تركية، في ظل أزمة ثقة عميقة بين أنقرة وواشنطن.
من العروف قد شهدت العاصمة الكازاخية أستانة في 23 و24 يناير/ديسمبر الجاري انطلاق محادثات مباشرة بين نظام الأسد وفصائل المعارضة السورية المسلحة، ورغم أن رعاة المحادثات وأطرافها أكدوا أن الهدف الرئيسي منها هو تثبيت وقف إطلاق النار للانطلاق بعد ذلك إلى محادثات التسوية السياسية في جنيف برعاية أممية، فإن أهداف موسكو وأنقرة غير المعلنة منه هي العمل على تسوية القضية السورية بعيداً عن نفوذ واشنطن وهيمنتها، في ضربة معنوية تحاول حكومتا البلدين توجيهها للولايات المتحدة. وبنت أنقرة مع موسكو مستوى غير مسبوق من التنسيق والشراكة في هذا الملف، في حين قد يؤدي عزم ترامب على تنفيذ خطة المناطق الآمنة إلى إرباك أنقرة في هذا الصدد ووضعها بين خيارين؛ أن تنخرط في التوجه الأمريكي الجديد، علماً بأنه يمثل رؤيتها منذ سنوات، أو أن تبتعد عنه حفاظاً على مستوى التنسيق مع موسكو. وظهرت بوادر الارتباك وخلط الأوراق مع ردود فعل البلدين؛ فبينما رحبت كل من قطر وتركيا بخطة ترامب لإنشاء المناطق الآمنة في سوريا وجوارها، وقالت أنقرة إنها ستدرس المشروع عن كثب، عبرت موسكو بصورة ضمنية عن قلقها إزاء ذلك، ودعا الكرملين ترامب إلى “التفكير في العواقب المحتملة لهذا القرار”، مؤكداً أن ترامب لم ينسق معهم في هذا الموضوع. ومن ناحية أخرى بات ملف مصير الأسد، المشكلة الكبرى في أي محادثات حول الحل السياسي في سوريا، في حكم المطوي في الآونة الأخيرة، بعدما سادت الرؤية الروسية على المشهد، وتصريحات صدرت عن أنقرة وعواصم غربية تعبر عن تخليها بطريقة ما عن فكرة رحيل الأسد الفوري. لكن قانون “سيزر” الذي بدأ ترامب بتنفيذه سيعيق أي تسوية من هذا القبيل. ففي تصريح سابق له حول إقرار القانون كشف المعارض السوري حسان الشلبي، مسؤول ملف “سيزر” في الولايات المتحدة، الذي قاد جهود إقناع الكونغرس، أن قانون حماية المدنيين “سوف يحول دون مشاركة بشار الأسد ونظامه في المرحلة الانتقالية؛ لأنه يدينه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، إذ سيمثل عثرة أمام أي حل سياسي”، مبيناً أن “هناك أوامر بالقتل، وإنشاء مقابر جماعية، وتصفية المعتقلين، عليها تواقيع رسمية من بشار الأسد”. يذكر أن مجلس النواب الأمريكي صوّت، بالأغلبية المطلقة، على قانون “حماية المدنيين”، المعروف اختصاراً بـ”سيزر”، والذي ينص على معاقبة كل من يدعم النظام السوري، بما في ذلك روسيا وإيران وحزب الله، وذلك قبيل 10 أسابيع من نهاية ولاية إدارة باراك أوباما. وبحسب “رويترز”، فإن “الكونغرس” ذا الأغلبية الجمهورية، أكد في بيان له أن القانون سيعمل على “وقف المذبحة التي يتعرض لها الشعب السوري”. وأمهل “سيزر” الرئيس الأمريكي 90 يوماً ليقترح آلية منطقة حظر جوي في سوريا، وفي حال تجاوز المدة ستقوم لجنة الشؤون الخارجية والدفاع بتقديم المقترح للرئيس.

Leave a Comment