عماد الدين بكري يكتب: تحديات الرئيس ترامب

الرجل أعلن مرارا أثناء حملته الانتخابية أنه عازم وراغب فى أن يكون رئيسا غير متوقع فى خطواته وقراراته. وعلى الرغم من أن هذه الرغبة تبدو مضربة ومتضاربة مع الإقرار بها و إشاعتها على لسان الرئيس نفسه لأن هذا الإقرار يمنح المتعاملين والمحللين قدرا كبيرا من القدرة على توقع اتجاهات الرئيس. وأعتقد أنه من الخطأ تصور أن الرئيس ترامب يتسم بالغموض فى سلوكه أو أنه يعرف كيف يمسك بأوراق اللعبة فيخفيها ويظهرها عندما ينبغي أن بفعل ذلك.

الرجل لا يدعى ولا يحاول أن يظهر أي قدر من الخبرة والدراية السياسية فمفرداته اللغوية التي يعاود استخدامها مرارا تبدو غريبة على قاموس المفردات والتعبيرات السياسية في الولايات المتحدة وهى لا تعبر عن أي محاوله للاصطناع والتصنع بل ربما تعكس حاله من الانسجام والتوافق بين الرجل ونفسه. عبارات الرئيس المستخدمة مرارا تظهر شحا في قاموس مفرداته إلا أن هذا الشح لا يقلل من قدر انسجام الرئيس مع ذاته ولا يترك الرئيس مستشعرا أى قدر من الخجل أو الانتقاص من ثقته كرجل يفتقد حتى القواعد الأساسية فى الحوار السياسي في المجتمع الأمريكي بل ربما على العكس يبدو الرئيس كما لو أنه يشتكى من أطراف الحوار الآخرين هم الذين يفتقدون ولا يتقنون الحوار على طريقته هو. هذا الأمر يتفق تماما وحقيقة أن الرئيس ترامب هو النجم الأهم فى تاريخ تلفزيون الواقع حيث أن جزءا مهما من خبراته العملية مستقره بل و مقدرة له فى هذا المجال من عموم المشاهدين بل والمتخصصين.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

على أى حال التحديات جزء أساسي فى جوهر مهام أى رئيس فضلا عن رئيس الولايات المتحدة ولعل أولى هذه التحديات هى الوفاء بالوعود الانتخابية التي قطعها الرئيس على نفسه تارة كوسيلة لجذب الناخبين إليه كمرشح له مبادئ ولديه رؤى وتارة كوسيلة يمكن ان تميزه عن غيره من المرشحين و الخصوم.  وعلى الرغم من أن الرئيس أظهر قدرا هائلا من الولاء لوعوده الانتخابية إلا أنه أيضا أظهر قدرا هائلا من الولاء بل والإيمان بواقعية الأشياء.

في هذا الإطار الرئيس ملتزم بما عرف عنه من القدرة على تغيير موقفه بل وربما الانسحاب كلية من هذه المواقف فعلى سبيل المثال لا الحصر تغيير موقفه فيما يتعلق بإظهار ملفه الضريبي و أيضا فيما يتعلق بموقفه هن الناتو والأمم المتحدة وكذلك عمليات التعذيب النفسي بالإيهام بالغرق للمتورطين فى قضايا إرهابية فضلا عن عدم الالتزام بالنقل الفوري لسفارة الولايات المتحدة إلى القدس و الكثير من الأشياء الأخرى التى يمكن عدها على الرئيس فى هذا الإطار.

غير أن الرئيس يواجه تحديات من نوع أخر هى بالتأكيد الأصعب والأعقد على الأقل له وربما أيضا الأغرب فى تاريخ الولايات المتحدة. هذه التحديات تتمثل فى الشكوك الضخمة حول علاقة مشبوهة بين ترامب وفريقه الانتخابي من جهة ومؤسسة الرئاسة الروسية من جهة أخرى. هذا الأمر تطور إلى ما هو أبعد من مجرد شكوك بعد ما أفضى إلى علاقة غريبة بين الرئيس وجهاز المخابرات  الذي يتبع الرئيس مباشرة ويعين رئيسه بترشيح من الرئيس وقبول من الكونجرس وهو ما جدث بالفعل فى تعيين الرئيس الجديد للسى أى أيه مايك بامبيو. لاشك أن الرئيس يعول على السيد بامبيو وعلى أسلوبه هو شخصيا فى طمس الاهتمام الشعبي والرسمي فى الدولة بمزاعم واتهامات الرئيس السابق فى شأن التدخل الروسي فى الانتخابات الأمريكية.

التحدي الآخر الذي يواجهه الرئيس يأتى من طبيعة تكوين فريقه الرئاسي  وحقيقة التحالفات المنعقدة بين أفراد هذا الفريق والرئيس  نفسه تلك التحالفات التي كونت جوهر الحملة الانتخابية للرئيس بكل مافيها من مواقف وعبارات مستهجنه . هذه التحالفات جعلت ستيف بانن أول من تم تسميته فى الفريق الرئاسي كمستشار الرئيس للشؤون الإستراتيجية على الرغم من اعتراض الكثيرين عليه نظرا لدوره واعتقاداته الراسخة فيما يسمى بحركة الوايت سوبرميسى. دور السيد بانن يتنامى فى إدارة الرئيس ترامب ففى الأيام القليلة الماضية تم إضافة بانن إلى مجلس الأمن القومي.

الشكوك كبيرة حول تماس ما بين هذه التحالفات واتهامات الإدارة السابقة للـ “سى أى ايه” بالتدخل الروسي فى الانتخابات والاتهامات الأهم حول علاقة مشبوهة بين فريق ترامب ومؤسسة الرئاسة الروسية هذا التماس يشير بأن العالم قد يكون مقبلا على تغيير جذري فى خريطة السياسة الدولية تغيير قد يكون من المستحيل تصوره الآن ومن الصعب فهمه فى حال حدوثه فى المستقبل.

 

 

مهندس عماد الدين بكري

خبير دولي في تقنيات الحفر بشركة “هاللي بيرتون” الأمريكية في تكساس

Leave a Comment