تيران وصنافير هندية

بقلم السيد حسن عبد السلام
عجبا لشعب منقسم على أمره، منذ أعلنت الحكومة المصرية يوم 9 أبريل 2016 توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع المملكة العربية السعودية بمناسبة زيارة الملك سلمان لمصر.
وتناقلت وكالات الأنباء أن الحكومة المصرية أقرت في هذا الإعلان بأن جزيرتي تيران وصنافير تابعتين للمملكة، وليستا مصريتين.
وأثار هذا القرار عاصفة من الجدل بين مؤيدي السلطة في مصر ومعارضيها.
وأدى عنصر “المفاجأة” إلى أن يلجأ كل فريق لما تيسر له من أدلة وحجج يراها قوية ودامغة في البرهنة على صواب موقفه، وعلى سلامة رأيه الذي يتبناه ويدافع عنه.
ولكن إحقاقا للحق فللإعلام المصري دخل كبير في هذا اللغط القائم وهذا التناحر بين المصريين أنفسهم في سؤال بعضهم البعض هل تيران وصنافير مصريتان أم يتبعان المملكة العربية السعودية ،على عكس الجانب السعودي الذي التزم الصمت حيال هذه القضية وخاصة إعلامه لاسيما جمال خاشقجي الإعلامي السعودي الذي يكن بغضا لمصر لا ندري سره فيما عداه لم ينبث احد ببنت شفه في هذه القضية من المملكة.
إننا يا ساده الشعب الوحيد بين شعوب العالم قاطبة الذي تشكك في تملكه وسيادته على أراضيه ،لقد مات ملايين الفلسطينيين منذ اغتصبت إسرائيل أراضيها ولم يشك فلسطيني واحد في حقه في أرضه او ملكيته لقطعه منها ،عكسنا نحن رحنا نفكر هل الجزيرتان ملكنا أم ملك القطر الشقيق المملكة العربية السعودية.
فنحن المصريون مختلفون عن كل أجناس الأرض، أي جنس من أجناس البسيطة لم يعرف أرضه وحدودها غيرنا؟
قوقازيون ..مغوليون.. زنوج.. ماذا نحن ؟ أقل لكم من نحن ؟ نحن مصريون وضع تحتها خطا بل خطوطا ،نحن متفردون في كل شيئ .
ياساده تيران وصنافير مصريتين نعم رغم أن هناك كثيرون يرون أن قانون القوة، وليس قوة القانون؛ هو الذي سيكون الحكم الفصل في هذه القضية .
وربما لم يتوصل البرلمان إلي قرار فسيتم التوافق على اللجوء للتحكيم الدولي مثلما حدث في قضية “طابا” التي استردتها مصر بحكم باتٍ من محكمة العدل الدولية.
والحقيقة أن الوقائع التاريخية الخاصة بجزيرتي تيران وصنافير ومضيق تيران موغلة في القدم.
وقد خضعت الجزيرتان مع خليج العقبة ومدينته لكثير من التحولات عبر الأحقاب الزمنية المتوالية.
فكانت حيناً تتبع والي الحجاز، وحينا آخر تتبع والي مصر.
وإذا بدأنا بأحدث نقطة مرجعية في تحديد تبعيتهما سنجد أنها ترجع إلى زمن الحملة الفرنسية وخرائطها التي توضح تبعيتها لمصر(خريطة رادفيلد)، ثم معاهدة لندن سنة 1840م، ومن بعدها اتفاقية الحكم الثنائي بين مصر وبريطانيا سنة 1899م، واتفاقية الحدود بين مصر والدولة العثمانية في سنة 1906م التي اعتبرت الجزيرتين وأم رشراش ضمن حدود إقليم الدولة المصرية ولكن دون أن يتم ترسيم الحدود ترسيماً إجرائياً موثقاً في وثيقة خاصة لهذه المنطقة.
ولكن ما يلفت النظر في مجمل هذا الجدل، أن أغلب الحجج المتداولة بين أطرافه هي حجج “عاطفية” أكثر منها “قانونية”، وأنها وليدة “الانطباعات” السريعة المبنية على معلومات غير دقيقة وغير موثقة، وليست وليدة دراسات متعمقة، ولا مستندة إلى وثائق يعتد بها بمعايير “القانون الدولي” الحديث والمعاصر، وقواعده التي تنظم عمليات ترسيم الحدود البرية والبحرية بين الدول.
ولكن كلمة حق يجب أن تقال لو هاتان الجزيرتان ليستا ملكا لنا أو قطعة من أرض مصر وكان تملكنا لهما طوال هذه السنوات وضع يد لكان لنا الحق في التمسك بهما وعدم الإقرار بملكيتهما للمملكة؛ وخاصة إن الوضع هنا مختلف عن وضع إسرائيل التي وضعت يدها على القدس غاصبه محتله رغم رفض شعبها
وتدافع عن حقها في الأرض التي ليست هي ملك لها باستماته.
 
تشير الخرائط الجغرافية المرسومة منذ القرن الثاني لميلاد المسيح عليه السلام إلى أن جزيرتي تيران وصنافير واقعتين في المياه الإقليمية المصرية، كما تشير خريطة ”بوتنغر“ المرسومة في سنة 265ميلادية حسب  المصادر التاريخية.
كما تشير أيضاً إلى أن خليج العقبة بجزره التي تشكل أرخبيلاً في مدخله الجنوبي تابعة لشبه جزيرة سيناء المصرية، وهكذا تناولها جمال حمدان في كتابه المرجعي “شخصية مصر” وهو يتحدث عن أربعين جزيرة مصرية في القسم الشرقي لحدودها البحرية.
وعن تلك المصادر الموغلة والضاربه في القدم أخذت خريطة ”ألبي“ التي رسمها راديفيلد من علماء حملة نابليون بونابرت على مصر في سنة 1798م.
 
وفي كتاب نعوم بك شقير الصادر في سنة 1916م بعنوان ” تاريخ سيناء القديم والحديث وجغرافيتها مع خلاصة تاريخ مصر والشام وجزيرة العرب”، يوجد ملحق خرائط يتضمن جزيرتي تيران وصنافير ملونتين بنفس لون سيناء دلالة على وحدتهما الإقليمية معها.
ولا تكتمل صورة الجزيرتين إلا بوضعهما في إطارهما الجيوستراتيجي لشبه جزيرة سيناء بشكل عام ولخليج العقبة من مدخله الجنوبيبشكل خاص ً.
وتشير الوثائق العثمانية إلى أن كل خليفة من الخلفاء العثمانيين كان يصدر فرماناً عند استلامه الحكم، يجدد فيه عهد سلفه بأن يحمي البحر الأحمر ككل من باب المندب جنوباً إلى خليج العقبة وخليج السويس شمالاً؛ حتى لا تمر فيه السفن الأجنبية؛ حمايةً لأراضي الحرمين الشريفين.
واستمر هذا التقليد سارياً حتى احتلت انجلترا مصر في سنة 1882م، وضعفت قوة الدولة العثمانية وأطلق الساسة الأوربيون عليها اسم “الرجل المريض”.
وبطل هذا التلقيد العريق الذي درجت عليه الخلافة العثمانية.
وكانت مدينة العقبة وخليج العقبة برمته في ذلك الوقت تحت سيادة والي مصر.
وعندما عقدت اتفاقية الحكم الثنائي للسودان في سنة 1899م بين بريطانيا ومصر؛ فإنه لم يكن مصادفةً أو عبثاً أنها نصت في مادتها العاشرة على “منع مرور السفن الأجنبية في شرق البحر الأحمر بما فيه خليج العقبة ومضيق تيران؛ احتراماً لتلك الاعتبارات التاريخية والدينية الإسلامية”.
وفي تلك الاتفاقية في سنة 1889م أقرت بريطانيا بسيادة مصر على جزيرتي تيران وصنافير والمدخل الجنوبي لخليج العقبة.
وبعد سنوات قليلة من اتفاقية الحكم الثنائي للسودان في سنة 1899م، تم الاتفاق على الحدود بين مصر والدولة العثمانية على أثر الخلاف بين الجانبين الذي عرف بـ “أزمة طابا” في سنة 1906م، وقد نصت اتفاقية 1906م هذه على نقل تبعية خليج ومدينة العقبة لوالي الحجاز(لم تكن المملكة العربية السعودية قد ظهرت للوجود؛ حيث تم الإعلان عنها رسمياً في سنة 1932م)، وكانت الحجة التي استخدمتها الدولة العثمانية لهذا الإجراء هي: أن طريق المحمل المصري قد أصبح خليج السويس، وليس الطريق البري في شمال العقبة!.
ولم تكن حجة مقنعة، بقدر ما كانت مسكنة للمشاعر الوطنية بمشاعر دينية.
وفي سنة 1908م قامت الحكومة المصرية بوضع “فنارة” في جزيرة صنافير كدليل على ممارستها الرقابة والإشراف على هذه المنطقة التي تضم تيران وبقية الأرخبيل في مدخل خليج العقبة. وثمة عديد من الحجج والوقائع والوثائق التاريخية التي تفصل وتوثق ذلك.
 
وكانت نقطة التحول الأساسية بشأن تبعية تيران وصنافير والمضيق هي الحرب العربية الإسرائيلية في سنة 1948م، فقد عمدت الدول الكبرى آنذاك إلى إبرام سلسلة من اتفاقيات الهدنة الثنائية بين كل دولة من الدول العربية التي شاركت في تلك الحرب وبين إسرائيل، فانعقدت هدنة إسرائيلية ــ مصرية ، وأخرى إسرائيلية سورية، وثالثة إسرائيلية ـ أردنية وهكذا.
وكان السبب الأساسي غير المعلن لاختيار صيغة الهدنة الثنائية هو: أن تتجزأ قوة المفاوض العربي لصالح قوة المفاوض الإسرائيليي، وينفرد الطرف الإسرائيلي بكل طرف على حدةليحقق أكبر مكسب له على حساب الطرف العربي الذي خرج مهزوماً في حرب سنة 1948م.
وتم توقيع اتفاقية الهدنة بين مصر وإسرائيل في ردوس في 24 فبراير سنة 1949م.
وكانت نصوص هذه الهدنة نقطة انطلاقة جديدة في تاريخ مضيق تيران، وجزيرته وجزيرة صنافير بشكل خاص، وعموم خليج العقبة والمدخل الجنوبي لشبه جزيرة سيناء بشكل عام.
وما حدث هو أنه: قبل هدنة رودس في سنة 1949م لم يكن المركز القانوني للجزيرتين محدداً بدقة أو بشكل إجرائي من خلال عملية ترسيم للحدود .
وتشير وثائق هدنة رودس إلى أن اللجان القانونية بذلت جهداً كبيراً من أجل إنجاز عملية الترسيم، ومن ثم تحديد التبعية القانونية للجزيرتين في ضوء بحث أشمل منهما وهو: بحث التبعية القانونية لمدينة العقبة ذاتها، وهي الواقعة في المدخل الجنوبي الشرقي لخليج العقبة.
وتشير محاضر هدنة رودس أيضاً بخصوص هذه النقطة إلى أن اللجنة انتهت إلى أن “مدينة العقبة مصرية، وأنها تشكل مع أم رشراش جزءاً من الإقليم المصري”، وكاد اتفاق هدنة رودس ينص على تبعيتها وعودتها لمصر؛ لولا ما طرأ من ظروف(لم تحددها وثائق رودس) اضطرت المجتمعين لإرجاء النص على ذلك.
وكانت أهم حجة سيقت آنذاك لتبرير عدم النص على عائدية الجزيرتين ومدينة العقبة لمصر، هي أن أحكام اتفاقية الهدنة “مستوفاة من الاعتبارات العسكرية فقط، وأنها لا تحدد حدوداً سياسية أو إقليمية، ولا تمس بالحقوق والمطالب التي تنتج عن تسوية القضية الفلسطينية تسوية نهائية”.
 
ومن هذا النص يتضح  لنا أن القوى المؤيدة للطرف الإسرائيلي والمشاركة في وضع اتفاقية هدنة رودس قد نجحت في تلغيم  وتفخيخ العلاقات المستقبلية بين مصر والمملكة العربية السعودية.
وظهر النص في هدنة رودس باعتباره قرينة على أن المركز القانوني لتيران وصنافير ليس محدداً، أو أنهما في أظهر تأويلات نصوص هدنة رودس “ليستا تابعتين للسعودية”.
واستقر النص النهائي في هدنة رودس على أساس أن تتولى مصر السلطان الفعلي أو الإدارة والحماية، “دون الإخلال بأي مطالبة من جانب السعودية”.
وعلى هذه النقطة اتكأت المطالبة السعودية بعائدية الجزيرتين لها، وهي لم تمارس عليها أي نشاط أقتصادي أو وجود سكاني يوما ما ،وفي تلك النقطة غرست بذور المشكلة الراهنة.
وليعلم الذين لا يعلمون أو يفقهون أن الأمور لو تأزمت ستصل القضية إلى طريق التحكيم الدولي حيث ستصبح حينها مشكلة بين شعبين وليست مشكلة بين دولتين.
لأن هناك اتفاق مبدئي بين مصر والمملكة العربية السعودية في التاسع من إبريل عام 2016 المنصرم على ترسيم الحدود ،وهذا مارفضه الشعب المصري جملة وتفصيلا .
باتت الحكومة المصرية في حيرة من أمرها فتحولت القضية إلى القضاء المصري للبت فيها.
وقال القضاء كلمته فتم تحويلها إلى مجلس النواب.
ولا أعلم كيف يكون من حق السلطة التشريعية قول كلمتها في أمر أو الفصل في قضية قال فيها القضاء كلمته.
 سؤال يطرح نفسه اليس من حق المملكة العربية السعودية أن تحيل هذه القضية إلى إحدي محاكمها للبت فيها بعد تقديم مايثبت من أوراق ملكية المملكة للجزيرتين مثلما فعلت مصر .
وإن حكمت المحكمة السعودية بحق المملكة في الجزيرتين فما الموقف حينها ؟
اليس من الأرجح أن نحتكم للقوانين الدولية ونقدم مانملكه من مستندات تثبت أحقيتنا في أرضنا ؟ 
فلنفعل ذلك ونزيل الحرج عن حكومتي مصر والسعودية. 

Leave a Comment

آخر الأخبار