التوجهات القومية الراديكالية فى إدارة ترامب بعد انتخابات 2016 (9)

كتب : البلاغ

  بقلم الدكتور: جهاد عودة                        

بعد فوز مرشح الحزب الجمهوري، دونالد ترامب” برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية في الانتخابات الرئاسية التي جرت في 8 نوفمبر الماضى، والذي من المقرر أن يمارس مهامه في البيت الأبيض بدايةً من 20 يناير 2017، ثارت العديد من التساؤلات حول التوجهات الخارجية للرئيس الأمريكي الجديد تجاه قضايا وصراعات منطقة الشرق الأوسط.

وأول تحدى لترامب الحضور الروسى الكبير  الذى برز خلال عام 2016 بثقله في أبرز الملفات التي شغلت الرأي العام الدولي، وفي مقدمتها الأزمة السورية والانتخابات الرئاسية الأمريكية، ما يجعل من الممكن تسمية الأحداث بأنها عام تحت “السيادة” الروسية.

خيم ظل روسيا على الأحداث الدولية في 2016، وحضر اسمها في أبرز القضايا التي شهدتها الساحة العالمية كالنزاع السوري، الانتخابات الأمريكية وحتى أسعار النفط، وتبدو موسكو الفاعل الأساسي في كثير من القضايا المرتبطة بالعلاقات الدولية.

دونالد ترامب

يقول جوليان نوسوتي، المختص في الشأن الروسي في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية بباريس، :«في الوقت الحالي، يجب أن يكون فلاديمير بوتين بصدد فتح زجاجات الشامبانيا»، مذكراً بأن روسيا دخلت في «عزلة دولية» بعد ضمها للقرم والنزاع الذي جمعها مع أوكرانيا في 2014، كما أن اقتصادها عانى كثيراً بفعل العقوبات الدولية، والتراجع الكبير في أسعار النفط، إذ أنها إحدى أهم الدول المنتجة للنفط من خارج الأوبك «منظمة الدول المصدرة للبترول».

روسيا عرفت كيف تتحول إلى لاعب أساسي دولياً، خصوصا في الملف السوري حيث أصبحت صاحبة قرار أساسي فيه، وبدأت موسكو بتنفيذ ضربات جوية دعماً لنظام بشار الأسد في خريف 2015، لكن دورها العسكري أصبح مهيمناً في 2016،  واعتبر نوسوتي أن دخول روسيا على خط الأزمة السورية هو استراتيجية لتحجب النزاع الدائر في أوكرانيا عن أنظار الرأي العام الدولي، كما أن الأزمة السورية سمحت لها بالعودة القوية إلى الساحة الدولية، وأصبح بإمكانها أن تتحدث لجميع القوى في الشرق الأوسط، وأظهرت أنها قادرة على حماية الأنظمة الاستبدادية.

وتضيف تاتيانا جون، المختصة في الشأن الروسي بالمعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، إن «استخدام موسكو بشكل ذكي جداً لمفهوم الحرب على مستوى محدود مع استخدام محدود للقوة كذلك مكنها من جني فوائد سياسية كبرى».

ويوضح جوليان نوسوتي، أن روسيا تعمل على أن تقدم نفسها كبديل للولايات المتحدة، وهو ما يتطلع له فلاديمير بوتين، باعتبار أن «الشرق الأوسط يحظى بدور فعال في الدبلوماسية الروسية لأنه يتيح لموسكو علاقات مباشرة مع واشنطن»، أي ندا للند، لكن استراتيجية روسيا ليست على المدى البعيد وإنما هي استغلال للفرص المتاحة، حيث “عرفت كيف تستثمر تملص الأمريكيين من الملف السوري وتعثر الأوروبيين في اتخاذ قرار بهذا الشأن.

ترامب وبوتين

وحسب نوستوى، فإنه إضافة إلى دورها الأساسي في الساحة الدبلوماسية، والمفاوضات في مجال الطاقة، ظهرت روسيا أيضا، بشكل أو بآخر، كفاعل في الحياة السياسية الأمريكية 2016.  والشكوك حول دورها، في حملة الانتخابات الرئاسية بل وفي فوز ترامب، عن طريق القرصنة وحملة مكثفة على مواقع التواصل الاجتماعي، تتعزز يوما بعد يوم، وإن كان الكرملين تدخل فعلا لأجل ترجيح كفة مرشحه، فإن هذا يعتبر مرحلة جديدة في القرصنة الروسية، إذأ ن قرصنة خوادم الحزب الديمقراطي وتسريب رسائل إلكترونية عبر ويكيليكس من أجل ضرب هيلاري كلينتون، يعتبر “تحول من القرصنة التقليدية لغرض التجسس إلى قرصنة معلومات لأهداف سياسية”.

تابع نوستوى أنه في 2016، قد تكون روسيا أعادت إلى الوجود الطرق القديمة للدعاية المستخدمة في الحقبة السوفياتية، والتي كانت تصنع من معلومات كاذبة تسرب من وسائل إعلام صديقة، وسواء أكانت هذه الاتهامات الموجهة لموسكو صحيحة أم لا، فهذا لن يؤثر على المكاسب التي تجنيها روسيا من هذا الوضع، حيث خلقت نوعا من الفوضى في الولايات المتحدة حتى أن الكل يتحدث عن موسكو.

وأشار نوستوى، إلى أنه أن يلعب الروس دوراً سيئا فهذا لا يهم ما دمنا نتحدث عنهم، حيث بدأت شكوك تحوم حول الأنشطة الإلكترونية الروسية أوروبياً، وهناك من يعتقد أن روسيا قامت بحملة إلكترونية لصالح حركة «خمس نجوم» الإيطالية في الاستفتاء الأخير، والذي أدى إلى استقالة رئيس الحكومة ماتيو رينزي.

ونبه الباحث الفرنسي، إلى أن حملة الانتخابات الرئاسية الفرنسية 2017 لن تكون بمنأى عن ذلك، فالدعاية الإلكترونية الروسية يمكن أن تلعب لصالح أحد المقربين منها كمرشح اليمين فرانسوا فيون، أو رئيسة حزب الجبهة الوطنية، اليميني المتطرف، مارين لوبان، وهما إلى جانب دونالد ترامب، بيبي جريللو زعيم حركة «خمس نجوم» الإيطالية، أو فرانسوا فيون، رجال سياسة، يعتبرون من المقربين من روسيا، أصواتهم مسموعة في بلدانهم، لكن روسيا لم تعد تثير إعجاب العالم.

 تشير تاتيانا جون إلى أن الرأي العام أصبح أكثر استقطابا من ذي قبل، وعبّر عن كثير من المخاوف نحو هذا النوع من السياسة التي تعتمد القوة وتجاه تداعياتها، وأدركت موسكو أن الخلافات القائمة بين دول الأوبك، وما رافق ذلك من انتقادات من قبل الدول الأعضاء لاستراتيجية الأسعار الضعيفة التي فرضتها السعودية منذ سنتين، يمكن أن تلعب لصالحها، حبيث تم اعتبار أن اتفاق خفض الإنتاج الذي توصلت إليه الأوبك والدول غير الأعضاء في 7 ديسمبر الماضى جاء نتيجة مفاوضات بين موسكو والرياض.  لكن روسيا لم تتمكن، بعد، من انتزاع الشوكة الاقتصادية من قدمها بحكم أن العقوبات المفروضة عليها لا تزال سارية المفعول، ورفعها عنها هي من أهدافها في 2017.

يعتقد جوليان نوسوتي، أنه إذا كانت موسكو عملت فعليا في الخفاء من أجل فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، فتم ذلك بهدف استعادة عافيتها الاقتصادية ورفع العقوبات عنها، مشيراً إلى أن تولي ريكس تليرسون، مالك شركة إيكسون، صديق فلاديمير بوتين، لوزارة الخارجية الأمريكية، مكسب كبير للدبلوماسية الروسية.

وثانى تحدى ما صرح به الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب، بأن إدارته ستعمل على إقامة «مناطق آمنة» لمحاولة مساعدة المدنيين المحاصرين في الصراع الدموي السوري، لكن الرئيس باراك أوباما، قال إن الفكرة من الصعب جداً تطبيقها.

ترامب وأوباما

وتحدث ترامب وأوباما كل على حدا، عن الصراع بعد توقف جهود إجلاء المدنيين من آخر مناطق خاضعة لسيطرة المعارضة في مدينة حلب السورية، يوم الجمعة، بعد أسابيع من القصف الذي يشنه الجيش السوري، حيث قال ترامب الذي يحل محل أوباما فى 20 يناير: «سنحاول ونصلح ذلك وسنحاول مساعدة الناس.. وسنعمل على إقامة مناطق آمنة، سنجعل دول الخليج تدفع أموالاً من أجل إقامة هذه المناطق»، ولكن أوباما قال للصحافيين في وقت سابق، إن الفكرة تمثل «تحدياً مستمراً لأن المناطق الآمنة ستطلب حماية من قوات برية وهو أمر من غير المرجح أن توافق عليه الحكومة السورية وحلفاؤها في موسكو وطهران.. وأنه يأمل أن تستجيب سوريا وروسيا للضغوط الدولية بشأن المأساة وعبر عن أمله أيضاً في العمل مع تركيا من أجل إجلاء المدنيين المتبقين في حلب بسلام. وشغل الصراع السوري كثيراً من وقت أوباما في البيت الأبيض لكنه قاوم دعوات تطالبه بالتدخل العسكري وركز بدلاً من ذلك على محاولة التوصل إلى حل دبلوماسي.

أوباما قال أيضاً : «ما لم نكن جميعاً مستعدين وراغبين في الاضطلاع بالأزمة السورية لكنا واجهنا مشاكل، لأن الأمر كان سيتطلب نشر أعداد كبيرة من القوات الأمريكية على الأرض دون أن توجه لهم دعوة ومن دون تفويض من القانون الدولي.. والولايات المتحدة ستواصل الضغط على مجلس الأمن الدولي من أجل تحسين وصول المساعدات الإنسانية للمدنيين في المدينة المحاصرة ومراقبة أي احتمال لاستخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا».

وألقى أوباما باللوم على الرئيس السوري بشار الأسد في سفك الدماء قائلاً: «المسؤولية عن هذه الوحشية تقع في مكان واحد: نظام الأسد وحليفتاه روسيا وإيران.. هذه الدماء وهذه الفظائع تلطخ أياديهم».         

بشار الأسد

ونشرت صحيفة “وول ستريت جورنال”  مقالًا للكاتب مايكل أوهانلون، وهو الزميل بمعهد بروكينجز، حول الاستراتيجية التي ينتوي الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب اتباعها فيما يخص سوريا والحرب الطاحنة الدائرة منذ 5 سنوات.

 وفقًا للكاتب، تبدلت كثير من آراء ترامب فيما يخص السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية خلال فترة الحملة الانتخابية، فلا يزال من الصعب توقع خطواته القادمة ولا ما يدور بذهنه إلا أن الاستراتيجية التي يريد ترامب اتباعها قد تؤتي ثمارًا ناجحة وواقعية عوضًا عما أسماه الكاتب «الخطة الفاشلة» التي اتبعتها إدارة أوباما لحل الأزمة.

وبحسب الكاتب فإن إدارة أوباما فشلت في إدارة الأزمة السورية، فكانت استراتيجيتها تعتمد على الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد وفي الوقت ذاته القضاء على داعش مع تخصيص شديد المحدودية للموارد الأمريكية لهذه المهام، وهو ما باء بفشل ذريع لوقف أو حتى احتواء هذه الأزمة الإنسانية.

منذ بدء الحرب السورية في 2011، نزح نصف سكان سوريا ولقى ما يقرب من 500 ألف شخص حتفهم، وأدت الأجواء الطائفية لظهور داعش والتي استحوذت على ما يقرب من ربع مساحة العراق وقامت بالعديد من الهجمات على أهداف غربية، وتكبدت داعش العديد من الخسائر إلا أنها وتنظيم القاعدة في العراق بعيدان كل البعد عن الهزيمة وكذلك الحرب. وأضاف الكاتب، إن ترامب كان أعلن أن أولوياته لإنهاء الصراع في سوريا هي التعاون مع الرئيس الروسي، بوتين وللقضاء على داعش بشكل سريع، أما محاولات الإطاحة ببشار الأسد فهي ليست بفكرة سديدة الآن.

ويقول الكاتب أنه أثناء رحلته إلى الأردن منذ وقت قريب، يرى كثيرون أن الحل المطروح من قِبل ترامب أكثر واقعية من ذلك الخاص بإدارة أوباما والذي يتطلب القضاء على داعش والإطاحة بالأسد من منصبه، ما يجعل من استراتيجية ترامب أمر ناجح للجميع هو تمدد القاعدة وداعش في منطقة الشرق الأوسط، ورغم ذلك، فهنالك خطر بهذا المنطلق، فبشار الأسد يداه ملوثتان بكثير من الدماء مما لا يسمح ببقائه رئيسًا شرعيًا لسوريا، فالأغلبية المسلمة من السنة تنفر منه ولا تريده رئيسًاً، فعلى مدار خمس سنوات وأحياؤهم تُقصف وتُحاصر ويتم تجويعها ومنع الرعاية الطبية عنها، بالإضافة إلى تدمير المدارس.

ويضيف الكاتب إنه ربما تقضي الولايات المتحدة على داعش ولكنها ستشهد موجة أخرى من التنظيمات الجهادية التي ستخرج من رحم الحرب على داعش وبذلك تستمر الحرب، ويمكن لتعاون الولايات المتحدة مع روسيا للقضاء على المجموعات الإرهابية أن يكون مفيدًا شرط امتلاك الولايات المتحدة رؤية واضحة لمرحلة ما بعد القضاء على داعش، وهذه الخطة يجب أن يتقبلها السنة من المسلمين والأكراد والبلاد مثل تركيا والأردن ولبنان وإسرائيل والعراق ودول الخليج، ويجب أن يتم إعلان هذه الاستراتيجية بشكل عام وشرحها في الوقت ذاته التي يمكن الإعلان عن أي تعاون عسكري بين الجيش الروسي والأمريكي.

داعش

 ويطرح الكاتب اقتراح أخر يسميه بـ«المنطقي» وهو تولي الأسد لمنطقة حكم مستقلة في ظل دولة ذات نظام اتحادي جديد، أما الخيار الأسوأ بحسب الكاتب، فهو بقاء الأسد رئيسًا للبلاد لمزيد من الوقت بشرط خضوع المناطق ذات الأغلبية السنية والكردية لحكمه المباشر أو في ظل وجودها تحت سيطرة القوات الأمنية التابعة له، ولكن ما يزيد الأمر تعقيدًا، هو سقوط حلب، حيث سيطر الأسد على كبرى المدن السورية وأصبح من الصعب التنازل عنها بإرادته الحرة.

ويشير الكاتب إلى أنه حتى الآن، فهناك مساران محتملان: الأول، وجود قوات معارضة عسكريًا ودعمها في مناطق الصراع بهدف تجديد الصراع بينها وبين قوات النظام مرة أخرى، ولكن يبدو أن هذا الخيار ليس من خيارات ترامب المفضلة، أما الخيار الثاني، هو تقديم دعم أمني محدود لجماعات المعارضة المسلحة المعتدلة وإعادة إعمار المدن المنكوبة وهي نفس الطريقة المتبعة من قبل الصين لبناء مناطق حضرية رسمية من لا شئ، كي يقطنها السنة والأكراد بدايةً.

 ويلفت إلى أنه يبدو هذا الخيار مقبولًا من الأسد وروسيا، فيمكن لتنفيذ هذا الخيار أن يساعد في إنهاء الحرب وإعادة إعمار البلاد، وسيحفظ هذا الخيار لنظام الأسد سيطرته على المناطق الواقعة تحت سيطرته حتى الآن، ومن الممكن إقناعه بعدم المطالبة بفرض مزيد من السيطرة على المدن في المستقبل، وسيكون هذا الاتفاق بالتنسيق وبالتفاوض وأن يكون لقوات حفظ السلام الدولية دور فيه، ويمكن لهذه القوات أن تشمل روسيا وتنتشر في غرب سوريا، وتركيا في الشمال وهو ما يحدث الآن بالفعل، مع إمكانية وجود قوات مشاه من الدول العربية والأوروبية ودول جنوب آسيا.

 وينبه إلى أنه يمكن للقوات الأمريكية أن تُساهم في القيادة والسيطرة علاوة على الإعدادات اللوجيستية وعمليات مكافحة الإرهاب، ويمكن أن يكون لقوات الأمن المحلية وبعض الميليشيات أو القوات شبه العسكرية والمكونة والمعدة والمسلحة بدعم مباشر من المجتمع الدولي، القيام بدور حفظ الأمن والنظام في مناطق الحكم الذاتي التابعة للمناطق ذات الأغلبية السنية والأكراد، ويشمل الاتفاق تزويد هذه القوات بأسلحة خفيفة وعدد محدود للغاية من الأسلحة الثقيلة، ويمكن للأطراف الفاعلة الموافقة على التوقف عن مساعد الجماعات المسلحة في ضربها لحلب وعوضًا عن ذلك توجيه هذه المساعدات للشرطة المحلية الرسمية أو قوات الأمن.

ووفقًا لـ «وول استريت جورنال» فإنه يجب أن تأتي المساعدة الخارجية لإعادة رسم الهيكل الجديد للدولة السورية في المقدمة، مما يرجح كفة التفاوض للمجتمع الدولي مع الحكومات المحلية الجديدة، وسيكون للأسد دعم من الدول الغرب والخليج ولكن مشروط، والشرط هو الالتزام بالخطة المُعدة لتقليص دوره في حكم سوريا.

 ويقول الكاتب إن كثير من السوريين، قد لا يوافقون على فكرة الدولة الاتحادية أو حتى فكرة الحكومة المركزية التي تدير مناطق سيطرة النظام بينما النصف الأخر من البلاد مُقسم هو الأخر لمناطق عديدة، ويضيف هذا الاقتراح ليس أمرًا دائمًا يمكن أن يكون حل مؤقت لحرب متأزمة لفترة معينة من الوقت وبعدها يمكن إجراء استفتاء دستوري للتصويت على شكل النظام المناسب. يمكن لتفاصيل كثيرة مثل الحدود بين المناطق مناقشتها مستقبليًا في ظل مفاوضات السلام، ولكن الخط العام للرؤية المستقبلية يجب أن يتم إعلانها قريبًا، وإذا قام ترامب بإدماج خطط التعاون مع روسيا لاستراتيجية بناء سوريا جديدة، فمن الممكن أن يصبح ترامب هو الرئيس الذي أنهى الصراع المأساوي، وفقًا للصحيفة.

وثالث تحدى هو علاقة ترامب مع المملكة العربية السعودية، حيث أغلق ترامب بعض شركاته في الأيام التالية لانتخابات الرئاسة الأميركية، بينها 4 شركات بدا أنها متصلة بمشروع استثماري سعودي محتمل، بحسب سجلات الشركات في ولاية ديلاوير، ووصف المستشار العام لمنظمة ترامب، آلان جارتن، إغلاق الشركات الأربع بكونها عملية «تنظيف منزلي» روتينية، وقال إنَّه لا توجد مشروعات جارية لترامب في السعودية، وكانت الشركات الأربع المرتبطة بالسعودية ضمن 9 شركات على الأقل، قدَّم ترامب أوراقاً لتصفيتها أو إلغائها، وذلك بعد أن أُثيرَت تساؤلات بعد الانتخابات حول الكيفية التي سيدير بها أعماله التجارية أثناء توليه منصبه في البيت الأبيض.

ويدير ترامب عدة فنادق ومنتجعات شهيرة في بعض الدول حول العالم، ولكن جرت بعض المشاورات بين ترامب ومديريه التنفيذيين بشأن التوسع عالمياً، وفي العام الماضي، أشارت إيفانكا ترامب إلى إمكانية التوسُّع في الشرق الأوسط والسعودية، وقالت إيفانكا ترامب لمجلة «هوتيليه ميدل إيست»، في مايو عام 2015، أثناء حضورها مؤتمر الاستثمار العربي الفندقي، إنَّ «دبي على رأس قائمة أولوياتنا.. وندرس عدة فرص في أبوظبي، وقطر، والسعودية، هذه هي المناطق التي نرى فيها المصلحة الأكبر.. ولم نتخذ قراراً نهائياً بدخول أي من تلك الأسواق، لكن توجد عدة صفقات مغرية مطروحة أمامنا في كلٍّ منها».

سلمان وترامب

اعتاد ترامب لسنوات أن يُسمي شركاته باسم المشروعات التي ارتبطت بها، وحملت الشركات المؤسَّسة كجزء من ترخيص علامات تجارية، أو إدارة صفقات في إندونيسيا والهند، أسماءَ المدن التي كانت مواقع لها، وحدث هذا أيضاً في بعض من شركاته المرتبطة بمشروعات العقارات والأعمال في الولايات المتحدة.

تمت تصفية أربع شركات مؤخراً، من بينها شركة جدّة، وهو اسم مدينة سعودية كبرى.. أُنشِئت الشركات خلال الحملة الانتخابية الرئاسية، بعد 3 أشهر من تصريحات إيفانكا ترامب، وتأسست 4 مشروعات ذات أسماء مشابهة في نفس الوقت تقريباً، وأُغلِقت بعد بضعة أشهر.  وقال أحد مسؤولى إمبراطورية ترامب الاستثمارية،  إنَّ تصفية الشركات، التي حدثت الشهر الماضي، كانت جزءاً من عملية دورية للتخلص من المنشآت الاقتصادية التي لم يعد هناك حاجة إليها، أو تأسست لتنفيذ مشروعات لم تتحقق.. وأنَّه لم يعلم سبب تأسيس الشركات العام الماضي، أو ما إن كانت تتضمن مشروعات في السعودية لم يتم تنفيذها.

وصرَّح المسؤول لوكالة أنباء أسوشيتد برس، الأميركية: «ليس لدي علم بأى صفقات في السعودية.. لكن سأقول إنه لا توجد صفقات في السعودية»، ورفض التصريح بخصوص ما إن كان الإغلاق مرتبطاً بانتخاب ترامب أو إعلانه المنتظر الأسبوع المقبل عن كيفية إدارته لأعماله أثناء توليه منصب الرئاسة.

ورابع تحدى  يتمثل فى الأزمة الليبية،  فرغم انتصار أمريكا فى الحرب على تنظيم داعش في مدينة سرت إلا أن هناك غياب سلطة مركزية قوية لديها القدرة على بسط الأمن والاستقرار والتصدي للميليشيات الخارجة عن سيطرة الدولة، وكبح موجات الهجرة غير الشرعية التي تنطلق من السواحل الليبية، والصراع على السلطة بين بين فصائل الغرب والشرق الليبي.  يمكن الحديث عن التوجهات المحتملة للرئيس الأمريكي الجديد تجاه الأزمة الليبية، والتي ستظهر معالمها بشكل أكثر وضوحًا عقب التشكيل النهائي لفريق مستشاريه ومساعديه، انطلاقًا من تصريحات ترامب خلال حملته الانتخابية التي تناول فيها الأزمة الليبية بصفة خاصة، وقضايا وصراعات المنطقة عامة، والتى يأتى على رأسها الموقف من تنظيم داعش والتنظيمات الإسلامية المتطرفة وتيارات الإسلام السياسي، حيث ركز ترامب في تصريحاته وخطاباته التي تناول فيها الأزمة الليبية خلال حملته الانتخابية على الآتي:

1- مواصلة الضربات الجوية الأمريكية ضد تنظيم داعش ليبيا، والقيام بما يلزم للقضاء على التنظيم، وكان ترامب صرح في أحد خطاباته بأنه سيتدخل عسكريًّا في ليبيا من أجل القضاء على التنظيمات المتطرفة، خاصةً داعش.

2- انتقاد التدخل العسكري الأمريكي في ليبيا عام 2011، محملاً هذا التدخل مسئولية تدهور الأوضاع هناك وانتشار التنظيمات المتطرفة بها، وتحويلها إلى دولة فاشلة، معتبرًا أنه في حال بقاء نظام القذافي، فإن الوضع سيكون أفضل بكثير.

3-الإشارة إلى ليبيا باعتبارها في مقدمة الدول التي يجب حظر قدوم المهاجرين منها إلى الولايات المتحدة.

4- يعطى ترامب الأولوية في أغلب أحاديثه لمحاربة تنظيم داعش، والتصدي للتنظيمات المتطرفة، ورفض توجهات وأفكار تيارات الإسلام السياسي بالمنطقة.

نظرا لتعدد قضايا الأزمة الليبية، فيمكن طرح عدة احتمالات لتعامل إدارة ترامب معها، وإن ظل ذلك مرتهنا بطبيعة التشكيل النهائي للإدارة ذاتها، خاصة في ضوء ضعف خلفية الرئيس الأمريكي المنتخب حول قضايا السياسة الخارجية، ويمكن طرح القضايا واحتمالات التعاطي معها على النحو التالي:

يأتي الرئيس الأمريكي المنتخب في ظل تعثر تطبيق الاتفاق السياسي الليبي الموقع عليه بمدينة الصخيرات المغربية في 17 ديسمبر 2015، والذي بموجبه تم تقاسم السلطتين التشريعية والتنفيذية كمخرج للأزمة الليبية والحرب الأهلية الدائرة بين الشرق الليبي ممثلاً في عملية الكرامة بقيادة المشير خليفة حفتر، والغرب الليبي ممثلاً في تحالف فجر ليبيا الذي يضم التشكيلات المسلحة لمدينة مصراتة وعدد من التنظيمات الإسلامية الأخرى بالعاصمة طرابلس.

بيد أن المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فشل في بسط سيطرته على العاصمة طرابلس ونيل تأييد مختلف الأطراف الليبية والحصول على ثقة البرلمان الليبي بالشرق، أضف لذلك، تعثر المؤسسات المنبثقة عن الاتفاق في ممارسة مهامها، ونتيجة لفشل تطبيق الاتفاق السياسي خرجت العديد من الأصوات الداخلية والخارجية المطالبة بإجراء جولات حوار جديدة لإدخال تعديلات على الاتفاق السياسي الحالي، أو صياغة اتفاق جديد يراعي توازنات القوى على الأرض والفواعل الرئيسية بالأزمة الليبية، سواء السياسية أو الاجتماعية أو العسكرية.

وفي إطار ما سبق، وفي ضوء توجهات ترامب المناهضة لتيارات الإسلام السياسي، يمكن الإشارة للسيناريوهين التاليين فيما يتعلق بالسياسات المحتملة لإدارة ترامب الجديدة تجاه الحل السياسي للأزمة الليبية:

– السيناريو الأول: الانخراط الأمريكي الفعال في المسار السياسي لحل الأزمة الليبية، مع ترجيح تبني الإدارة الأمريكية الجديدة في هذه الحالة للسياسات التالية:

(1) تأييد استئناف جلسات الحوار الليبي للتوصل لاتفاق سياسي جديد، أو تعديل الاتفاق القائم، بما يساهم في دفع عملية الحل السياسي للأزمة الليبية، وهو ما يعني تراجع الدعم الأمريكي للمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق والذي يتركز مؤيدوه داخل صفوف تيار الإسلام السياسي.

(2) انحياز الإدارة الجديدة للقوى المدنية على حساب تيارات الإسلام السياسي، وذلك بخلاف إدارة أوباما التي كانت تتفق مع حلفائها الأوروبيين على ضرورة إشراك الإسلاميين بالحكم، وهو ما قد ينعكس على توزيع السلطات والصلاحيات بين البرلمان الليبي في الشرق الذي يهيمن عليه التيار المدني ومجلس الدولة في طرابلس الذي يهيمن عليه التيار الإسلامي، وكذلك نسبة تمثيل التيار المدني في الحكومة مقارنة بالتيار الإسلامي، بالإضافة إلى انتزاع بعض الصلاحيات من المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق لصالح البرلمان الليبي، والتي يأتي على رأسها تعيين قادة القوات المسلحة الليبية وقيادات المؤسسات السيادية الليبية.

ومثل ذلك الأمر أحد أبرز الأسباب لرفض البرلمان الليبي للاتفاق السياسي، بما يضمن وجود المشير خليفة حفتر الذي يخوض مواجهات ضد التنظيمات المتطرفة في الشرق والمناهض لتيار الإسلام السياسي ضمن الهيكل القيادي للمؤسسة العسكرية الليبية.

– السيناريو الثاني: محدودية الانخراط الأمريكي في المسار السياسي لحل الأزمة الليبية لصالح الدول الأوروبية الأكثر تأثرًا بتفاقم الأوضاع السياسية والأمنية في ليبيا، وذلك حال اتجاه ترامب لتقليل الانخراط الأمريكي في الأزمة السياسية الليبية لصالح التركيز على محاربة داعش، مع وضع الإدارة الأمريكية أطرًا عامةً لطبيعة الحل السياسي، خاصة فيما يتعلق بطبيعة ومستوى مشاركة تيار الإسلام السياسي في مستقبل حكم ليبيا:

يأتي الرئيس الأمريكي الجديد في ظل إعلان قوات البنيان المرصوص الموالية للمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق السيطرة على مدينة سرت وطرد تنظيم داعش حيث قدمت الولايات المتحدة الأمريكية الدعم الجوي والمشورة العسكرية لهذه القوات.

على أن ذلك لا يعني انتهاء تواجد التنظيم بليبيا، حيث بدأت عناصر التنظيم الهاربة من المواجهات في سرت في إعادة التمركز بصحراء جنوب ليبيا بحسب بعض الترجيحات والتقارير، مستغلين حالة التدهور الأمني، مشكلين ما يُسمى بـ«سرايا الصحراء» لاستئناف القتال ضد القوات الليبية، وهو ما يعني أن تهديدات تنظيم داعش ليبيا لا تزال مستمرة،\ وفي ضوء إعطاء ترامب الأولوية الأولى لمحاربة تنظيم داعش، يمكن ترجيح أن تتحدد الاستراتيجية الأمريكية في الآتي:

(1) تكثيف الإدارة الأمريكية الجديدة لضرباتها الجوية ضد تنظيم داعش ليبيا، مع الاتجاه لنشر مزيد من القوات الخاصة الأمريكية لتقديم الدعم الفني واللوجستي المباشر للقوات الليبية التي تقاتل فلول تنظيم داعش، مع استبعاد التدخل العسكري الأمريكي المباشر في صورة قوات برية تنتشر على الأرض لقتال التنظيم.

(2) تقديم الدعم للجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر في قتاله ضد تنظيم داعش وغيره من التنظيمات المتطرفة بالشرق الليبي، مثل: مجلس شورى ثوار بنغازي، ومجلس شورى مجاهدي درنة، وسرايا الدفاع عن بنغازي، وذلك بعدما كانت تنظر إدارة أوباما لحفتر على أنه أحد معرقلي الاتفاق السياسي الليبي.

(3) الاستمرار في فرض حظر التسليح على ليبيا تخوفًا من انتقال الأسلحة للتنظيمات المتطرفة في ظل غياب مؤسسة أمنية موحدة وحكومة مركزية قوية تبسط سيطرتها على الأرض.

 (4) تقديم الدعم للعملية البحرية الأوروبية بالبحر المتوسط قبالة السواحل الليبية «صوفيا» والتي تقوم بتطبيق قرار فرض حظر التسليح على ليبيا لمنع وصول الأسلحة للتنظيمات المتطرفة، بالإضافة لمواجهة تدفقات الهجرة غير الشرعية التي تنطلق من الشواطئ الليبية.

داعش في ليبيا

بجانب تنظيم داعش في سرت، يتواجد عدد من التنظيمات الإسلامية المتشددة، سواء في الشرق الليبي مثل: مجلس شورى ثوار بنغازي، ومجلس شورى مجاهدي درنة، وسرايا الدفاع عن بنغازي، والتي تخوض مواجهات ضد الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، أو بالغرب الليبي مثل: تشكيل «غرفة عمليات ثوار ليبيا» التي يقودها أبو عبيدة الزاوي، وكتيبة «ثوار ليبيا» التي يقودها هيثم التاجوري، و«قوات الردع الخاصة» التي يقودها عبد الرؤوف كارة.  وتسيطر هذه التشكيلات حاليًّا على معظم المناطق بالعاصمة طرابلس، ويزيد من الأمور تعقيدًا أن بعض أفراد تلك التنظيمات المتشددة ينخرط في القتال ضد تنظيم داعش بمدينة سرت تحت راية «قوات البنيان المرصوص» التابعة لحكومة الوفاق رغم أن ولاءهم الأساسي للمفتي المتشدد صادق الغريانى ولحكومة الإنقاذ الوطني التي أعلنت في أكتوبر الماضي عودتها لممارسة مهامها بعد اقتحامها لمقر مجلس الدولة الجهاز الاستشاري لحكومة الوفاق بموجب الاتفاق السياسي الليبي.

وفي هذا الإطار، يمكن ترجيح أن تتخذ الإدارة الأمريكية الجديدة أحد السيناريوهين التاليين لمواجهة التنظيمات المتطرفة في الغرب الليبي، وهما:

السيناريو الأول: اتجاه الولايات المتحدة لتقديم الدعم للجيش الليبي بقيادة خليفة حفتر لقتال التنظيمات المتطرفة في طرابلس، وذلك في حال رفض الإدارة الأمريكية الجديدة اعتماد مبدأ التفرقة بين الإسلاميين المعتدلين والإسلاميين المتشددين.

غير أن هذا السيناريو سيؤدي من الناحية الفعلية إلى اصطفاف كافة الإسلاميين بالغرب الليبي للتصدي لقوات الشرق الليبي بقيادة حفتر لتأخذ المعركة بُعدًا قبليًّا ومناطقيًّا، وهو ما يعني تجدد الحرب الأهلية في ليبيا بين الشرق والغرب، وهو ما سيقابل باعتراضات أوروبية وإقليمية.

السيناريو الثاني: أن تشكل الولايات المتحدة تحالفًا بالغرب الليبي من الإسلاميين المعتدلين تقوده مدينة مصراتة تكون مهمته قتال التنظيمات المتطرفة بالعاصمة طرابلس، مع قيام الولايات المتحدة بتقديم الدعم العسكري في صورة توجيه ضربات جوية لتدمير القدرات العسكرية للمجموعات المتطرفة، ودون تدخل قوات من الشرق لمنع تجدد الحرب الأهلية بين الشرق والغرب الليبيين.

وبجانب ما سبق، فربما تقدم الإدارة الأمريكية الجديدة الدعم للجيش الليبي بقيادة حفتر لقتال التنظيمات المتطرفة في الشرق الليبي.  وختامًا، فمن المحتمل أن تشهد السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الأزمة الليبية تحت إدارة ترامب الجديدة تحولات باتجاه تكثيف ملاحقة تنظيم داعش في ليبيا، وتقديم الدعم للجيش الليبي بالشرق بقيادة المشير خليفة حفتر، باعتباره أحد الفاعلين الأساسيين لمواجهة الإرهاب في ليبيا، من وجهة نظر الإدارة الأمريكية الجديدة، مع تبني سياسات مناهضة لتيارات الإسلام السياسي في ليبيا، وهو ما يختلف عن توجهات إدارة الرئيس.

 

 

Leave a Comment

آخر الأخبار