مئوية «سايكس – بيكو».. الأهداف والمطامع ما زالت قائمة

تحل اليوم الإثنين، الذكرى المئة على معاهدة «سايكس ـ بيكو» المشؤومة التي وقعت بين باريس ولندن في عام 1916، وبموجبها جرى تقسيم الوطن العربي ما بين هاتين القوتين. وشاركت روسيا القيصرية في هذه المعاهدة السرية، إلا أنها سقطت قبل أن تحظى بنصيب في تركة الإمبراطورية العثمانية «رجل أوروبا المريض»، ورغم مرور قرن من الزمان ، فإن «أشباح سايكس ـ بيكو» باتت تخيم بقوة من أجل إعادة تقسيم المنطقة العربية إلى دويلات تقوم على الانتماءات الطائفية، دولة للمسيحيين ودولة للشيعة أو للعلويين أو السنة أو الأكراد، ما يشجع اسرائيل على اتخاذ صفة طائفية شرعية هي «الدولة اليهودية»، بعد قرن من الزمان، يبدو أن الماضي نفسه لا يزال مفتوحا، فالصراع على الشرق الأوسط وفيه ما زال مستمرا، كما أن الماضي أحيانا كاشف للحاضر .

 

البداية والأهداف

قبل مئة عام، وفي السادس عشر من مايو / آيار 1916 تم تقسيم العالم العربي ، وهو ضمن أملاك الخلافة العثمانية، إلى مناطق نفوذ بين بريطانيا العظمى وفرنسا، ورسم حدود جغرافية بعيداً من أي اعتبار للبعد الطائفي والديني والعشائري والقبلي، وقد جرى التوصل إلى هذه الاتفاقية بعد محادثات بين السياسي الإنجليزي مارك سايكس، وكان عضوا في مجلس العموم ومقربا من ونستون تشرشل عضو وزارة الحرب البريطانية أثناء الحرب العالمية الأولى، وأمامه على المائدة السفير فرانسو بيكو، وهو دبلوماسي فرنسي اهتم بالمشرق العربي واعتبر أن لفرنسا حقا في الشام ، لا يصح أن ينازعها عليه أحد، وكان هدف محادثات الرجلين ترتيب توزيع الإرث، وانفراد الحليفين الكبيرين بالإرث العثماني في العالم العربي قبل نهاية الحرب، وفي غفلة من كل الأطراف الدوليين، خصوصا الكبار وبينهم الولايات المتحدة الأمريكية.

سايكس - بيكو

سايكس – بيكو

بين «الكاف» و«الكاف»

وبعد اتصالات ومحادثات واجتماعات بين الرجلين في لندن مرات، وفي باريس مرات أخرى ـ توصل الاثنان إلى خريطة توزيع العالم العربي نصفين، نصف يؤول إلى بريطانيا، ونصف يؤول إلى فرنسا، وقد استقرا في النهاية على خط تقسيم الخريطة بين عكا على البحر الأبيض، وبين كركوك شمال الموصل وشمال الخليج، ليكون أساس توزيع الإرث بعد هزيمة دولة الخلافة وحلفائها، وقد سمى الرجلان ما رسما بخط ما بين «الكاف» و«الكاف»، إشارة إلى حرف الكاف في «عكا» وحرف الكاف في «كركوك».

 

وجنوب هذا الخط كتب «سايكس» بيده على جنوب الخريطة: نصيب بريطانيا، وعلى شمالها كتب بيده أيضا: نصيب فرنسا، وبمقتضى الخريطة كانت فلسطين والخليج والعراق الجنوبي والأوسط من نصيب بريطانيا، إلى جانب مصر والسودان من قبل، وبمقتضى الاتفاقية أيضا كان إقليم الشام: سوريا ـ لبنان لفرنسا، إلى جانب المغرب العربي: تونس والمغرب والجزائر من قبل.. تقسيم الوطن العربي إلى مناطق نفوذ بين بلديهما ورسم حدود جغرافية بعيداً من أي اعتبار للبعد الطائفي والديني والعشائري والقبلية.

331234_0

حوار «مهين» لتوزيع مقدرات الأمة ومصيرها

وبعض الوثائق الملحقة باتفاقية «سايكس بيكو» الأولى مروعة، فيها بالتحديد محضر جلسة جمعت بين رئيس وزراء بريطانيا لويد جورج، ورئيس فرنسا كليمنسو، كان الاجتماع في قصر «لانكستر» وسط لندن، وتاريخه بالضبط أول ديسمبر/كانون الأول 1917، وقد دار بين رئيس الوزراء البريطاني ـ ونظيره الفرنسي حوار حول اتفاقية «سايكس بيكو» وكانت مطروحة عليهما، مع رغبة ملحة في ضرورة تعزيز التفاهم بين الحليفين الكبيرين: بريطانيا وفرنسا!!.

 

ووجه رئيس وزراء فرنسا «كليمنسو» سؤالا إلى رئيس وزراء بريطانيا لويد جورج: صارحني يا صديقي بما تريد حقيقة، حتى لا تظل بيننا فيما بعد شبهة خلاف، ويرد جورج: مطلبي هو العراق وفلسطين، ويسأله رئيس الوزراء الفرنسي: هل هذا كل شيء؟! قل لي ولا تخفي عني، ويتردد رئيس الوزراء البريطاني، ثم يقول على استحياء: أريد القدس «كانت القدس على الخريطة الأولى قد تركت لترتيبات دولية لاحقة، رغم أن فلسطين كلها كانت من نصيب بريطانيا». ويعود رئيس وزراء فرنسا إلى السؤال : حسنا، سوف أترك لك القدس !! ولكن هل هذه هي نهاية مطالبك، نريد إنهاء كل أسباب الخلاف بيننا، أسألك : هل القدس آخر الطلبات؟! ثم يكرر السؤال: قل لي بحق صداقتنا هل لديك شيء لم تقله لي؟! ويرد رئيس وزراء بريطانيا وهو يتنهد تعبيرا عن الحرج: بصراحة نعم.. كذلك أريد الموصل «كانت الموصل حتى تلك اللحظة موضوعا معلقا في انتظار نهاية الحرب».. ويتنهد رئيس وزراء فرنسا كأنه يضيف بالصبر مكرمة جديدة، ويقول لرئيس وزراء بريطانيا: خذ الموصل!!.

 

وكأنما أقاليم الوطن العربي كانت لعبا في أياد تملك اللعب بها، وبأقدارها ومصائرها وأهلها!! وفي حقيقة الأمر قد كانت هكذا، وقد تركنا تسليم أقدارنا للمصادفات تلعب بها كما تشاء الأهواء.

668_334_1446975412

إعادة ترسيم الحدود بالدم وليس بالحبر الأزرق

وعندما رسم البريطاني مارك سايكس والفرنسي فرنسوا جورج بيكو في الرمال العربية، حدود الدول على الجسم المريض للإمبراطورية العثمانية في ١٦ مايو/ أيار ١٩١٦، لم يعرفا أن لندن وباريس ستستجديان بعد مئة سنة لدى واشنطن وموسكو دوراً في رسم «الحدود» التي خطاها، وأن الشمس ستشرق على امبراطوريتين أخريين وبمفردات جديدة… وأن الحدود المصطنعة سيعاد رسمها بالدم وليس الحبر الأزرق.. حيث لم يكن سايكس وبيكو يتوقعان أن الدول الوليدة من خريطتهما، ستشهد خلال عشرة عقود الكثير من الانقلابات والاحتلالات والوصايات والتدخلات ومحاولات فاشلة لصنع السلام للصراع العربي- الإسرائيلي والحروب الأهلية والفساد… كل شيء عدا «الدولة الوطنية» التي اعتقدا إمكان فرضها بعد الحرب العالمية الأولى من فوق الى تحت.

 

«سايكس ـ بيكو» الجديدة

ولكن.. هل نحن بالفعل أمام مشروعات «سايكس- بيكو» الجديدة، يجرى رسمها الآن مع مراعاة متغيرات العصر؟! الحاصل أن الدواعي قائمة، والتقسيم الجديد «سايكس بيكو الجديدة»، لا يقر خطوطا فاصلة أخرى كما حدث في الأولى، ولكن ستكون هناك مواقع عربية متناثرة، ومفتتة داخليا، وتتوزع مواردها ومواقعها وامتيازاتها وأمنها ومصالحها، بين الشركاء الجدد  اللاعبون الرئيسيون وعلى طريقة «سايكس – بيكو» مع تعديل ما تقتضيه متغيرات الأحوال، وربما في صورة تجمعات تابعة وملحقة بهم، تجمعات لها مهمة الأحلاف من دون اسمها!!.

 

قصة «سايكس – بيكو» مفتوحة، وهناك بالفعل ما يتم الإعداد له في اللحظة التاريخية الراهنة، والشواهد أمامنا ليست مجرد مؤشرات فقط، تنبئ وتنذر، ولكنها كاشفة لما يجري ترتيبه والإعداد له، وهذا الاستنتاج تترابط حلقاته المنطقية من السودان، إلى العراق، ومرورا بسورية، وباتجاه مصر، وإلى ليبيا، وصولا إلى اليمن جنوبا، وبين الخطوط الرابطة لمناطق التصدع والانشقاقات والترهل وانكسار كيان وهيبة الدولة، والانفلات السياسي والأمني ، وهناك مناطق أخرى على استعداد ” لأن تلحق بها في الوقت المحدد لها!!. 

__________-____________-____________

 

 

 

 

 

 

 


المصدر: الغد العربي – عالمي

تعليقات فيسبوك

أكتب تعليقك