هابي نيو يير Happy New Year

السيد حسن عبدالسلام
بقلم : السيد حسن عبد السلام
تظل كلمة البابا الراحل شنودة “أن مصر ليست وطناً نعيش فيه، بل وطن يعيش فينا” أيقونة مسيحية تجسد في مثال مبهر نسيج مصر الواحد وعنصرها النقي الأصيل.
كما كان الإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب معبراً بنقاء خالص عن تلك الروح المصرية السامية في قوله “أن على المسلمين المصريين حماية الكنائس مثلما يحمون المساجد ويدافعون عنها”.
فمع اقتراب عيد الميلاد المجيد أتوجه لجميع الأخوة والأخوات المسيحيين وبمصر والوطن العربي بالتحية والتهنئة راجياً من الله عز وجل أن يجعله عيداً سعيداً على كل مصر مسيحيين ومسلمين وأن يعم الأمن والسلام ربوع الوطن وأن نظل كما كنا دوماً لقرون عديدة أخوة متحابين شركاء في وطن واحد ومصير واحد،ولا يسعني اليوم إلا أن أذكر من نسى في غفلة من أمره وحده شعبنا عبر العصور.
ليس من قبيل المبالغة القول بأن الوحدة الوطنية المصرية كانت أساس توحيد مصر قبل أكثر من خمسة آلاف سنة، حين أقام المصريون- رغم تعدد معتقداتهم – أول دولة مركزية وأمة واحدة موحدة في التاريخ الإنساني على يد الملك (مينا) عام 3200 ق.م. وأن قبول واحترام الآخر- المختلف دينياً – كان ركيزة الوحدة بين الصعيد والدلتا وهو المعروف تاريخياً باسم ” وحدة القطرين” أو “وحدة الأرضين” حيث سُمح ببناء معابد آلهة كل من سكان الصعيد ، وسكان الدلتا على أرض الآخر، بعدها عرف المصريون “الإله الواحد” وعرفوا بأمة التوحيد الأولى في التاريخ الإنساني ، وبزغ الضمير البشرى على حد قول المؤرخ المعاصر الكبير “جون برستيد” في كتابه السفر عن مصر “فجر الضمير” ومع مطلع الرسالات السماوية كانت مصر طرفاً دائماً في قصة التوحيد بفصولها الثلاثة – وحسب جمال حمدان – كانت لموسى قاعدة ومنطلقاً، ولعيسى ملجأ وملاذاً، بينما كانت مع النبي محمد هدية ونسباً.
ففي البداية جاءها إبراهيم أبو الأنبياء عليه السلام، وجاءها يوسف الصديق ومن بعده الأسباط اليهود الأثنى عشر، وولد على أرضها موسى عليه السلام نبي اليهودية، ثم جاءتها العائلة المقدسة وقت أن كان عمر السيد المسيح (عامان)، وقد مرت العائلة بثلاثة مواقع في شمال سيناء وثمانية عشر موقعاً في وادي النيل ودلتاه، وزارت وادي النطرون في الصحراء الغربية، وجبل الطير في الصحراء الشرقية، وعبرت المجرى الرئيسي لنهر النيل أربع مرات. بعد ذلك دخل مصر “مرقص الرسول” عام 43م، وأسس أول مدرسة لاهوتية مسيحية بالإسكندرية.
قدمت مصر “الرهبنة” هدية منها إلى العالم المسيحي، فالرهبنة تقليد مصري أصيل ويعد الأنبا أنطونيوس – المصري الجنسية – أبو الرهبنة في العالم، وقد ولد عام 251م بقرية قمن العروس مركز الواسطة أسيوط. بعدها انتقلت الرهبنة من مصر إلى فلسطين وبلاد ما بين النهرين وسوريا وإيطاليا وفرنسا وآسيا الوسطى واليونان ثم العالم أجمع.
وفى عام 642م فتحت مصر أبوابها أمام الدين الإسلامي الحنيف الذي أمن الديار والأملاك ودور العبادة وكفل حرية العقيدة وحرمة الدين.
وقد أجمع كل المؤرخين المصريين المسلمين الأوائل مثل ابن عبد الحكم والمقريزي والسخاوي وابن تعزى بروي، والكندي، وابن زولاق، والنويرى، وابن إياس، وجلال الدين السيوطي، وغيرهم الكثير، أجمعوا على وحدة النسيج المصري الواحد، وأرّخوا جميعاً لوحدة الأمة المصرية ووصفوا أقباط مصر بأنهم أكرم الأعاجم وأسمحهم يداً وأفضلهم عنصراً.
ويمضى بنا تاريخ الوحدة الوطنية المصرية وأرثها الحضارى العظيم حتى نصل إلى الحملة الفرنسية على مصر عام 1798 م حيث فشل نابليون بونابرت في إثارة النزعة الدينية لدى الأقباط وجعلهم طائفة مختلفة.
ومع تولى محمد على الحكم عام 1805م كان الميلاد الحقيقي لمبدأ “المواطنة” في تاريخ مصر الحديث، حيث دحضت الفتنة الطائفية بإلغاء الجزية المفروضة على أهل الذمة (أقباط ويهود) عام 1855م، وصدر قرار بتجنيدهم ودخولهم الجيش أسوة بالمسلمين دون تمييز ديني أو اجتماعي بين كافة المصريين.
وقام الخديوي إسماعيل بترشيح الأقباط في مجلس شورى النواب، وكذلك قضاة في المحاكم، وأصبح الأقباط قوة حقيقية لها وزنها وقوامها في الأمة المصرية.
ومن المعروف أن الاحتلال الانجليزي لمصر عام 1882م اتبع ما يسمى سياسة “فرق تسُد”بين المسلمين والأقباط، وبدأت بالفعل إرهاصات تحويل الأقباط من (ملة دينية) إلى أقلية دينية وسياسية، وحاول الانجليز إدخال “الطائفية” إلى مصر على غرار ما تم ممارسته في الهند وكان الهدف أن يشعر الأقباط بأن الرابطة الدينية بينهم وبين الانجليز وأوروبا هي أقوى من الرابطة الوطنية بينهم وبين إخوانهم المسلمين شركاء الوطن. وفشل الانجليز في تحقيق ذلك كما فشل الفرنسيون من قبل، وصارت “المواطنة” قرين الدولة المدنية في مصر الحديثة، حيث التف المصريون حول قادتهم الوطنيين بعد قرون من الانطواء تحت القيادات الدينية.
 
وكانت كتابات الطهطاوي التنويرية وتلاميذه هي بدايات مفهوم المواطنة في مصر، وعليها سار مفكرو الثورة العرابية وعلى رأسهم عبد الله النديم – خطيب الثورة – حيث قال بوضوح “إن العيش الكريم في ظل الاستقلال والانتشار الشامل للوطنية، هو أفضل من العيش المهين ولو كان في ظل ”وحدة العقيدة” وأبرز النديم في العديد من المقالات والخطب أن الروابط القومية أقوى من الاختلاف في العقيدة الدينية، وهكذا تحدث النديم عن مصر “الدولة الأمة”.
وعلى نفس الصعيد جاء البيان الأول للحزب الوطني في 4 نوفمبر 1879م لينص على “أن المسلمين والنصارى وجميع من يرث أرض مصر ويتكلم لغتها إخوان وحقوقهم في الشرائع والسياسة متساوية”.
ودحض الزعيم مصطفى كامل – مؤسس الحزب الوطني عام 1907- الفتنة الطائفية حين قال ” وما المسلمون المصريون إلا أقباطاً غيروا عقيدتهم .. إذن هل يا ترى تغيير العقيدة يكون بالضرورة تغييراً للدماء”؟
 
ورسخ الإمام محمد عبده فكرة دولة المواطنة المدنية حين أصدر فتواه الفاصلة، والتي تعد من أهم أحكامه على الإطلاق حين قال ” علمت أن ليس في الإسلام سلطة دينية سوى الموعظة الحسنة والتغيير من الشر” وكانت هذه الفتوى بمثابة الحصار المبكر للفكر الطائفي والتيار التكفيري، وكما كانت السلاح الأساسي في المعركة التي بدأها الشيخ على عبد الرازق في كتابه “الإسلام وأصول الحكم” الصادر عام 1925 ضد محاولة الملك فؤاد بدعم من هيئة العلماء والانجليز لنقل الخلافة إلى مصر بعد سقوطها في تركيا على يد كمال أتاتورك.
كما لا تنسى أيضا في هذه الفترة الشعار الوطني الكبير الذي أطلقه أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد وهو أن”مصر للمصريين”.
مصر التي كانت لموسى قاعدة ومنطلقاً، ولعيسى ملجأ وملاذاً، بينما كانت مع النبي محمد هدية ونسباً، هذه هي مصر = مسلم + مسيحي .
فإلى كل المصريين مسلمين ومسيحيين هابي نيو يير .

Leave a Comment