البلاغ للدراسات: القصة الكاملة للقدس الشريف في المواثيق الدولية

شغلت قضية القدس في نطاق الأمم المتحدة حيزا بارزا وكانت، وما زالت، من أهم القضايا التي تفرعت عن القضية الأم قضية فلسطين. وقد ناقشها الكثير من أجهزة الأمم المتحدة الرئيسة كالجمعية العامة ومجلس الوصاية ومجلس الأمن ولجانها المهمة. واتخذت هذه الهيئات قرارات وتوصيات شتى ازاءها، ووضعت حلولاً خاصة بها لأنها قضية ذات اعتبارات خاصة. وليس الاهتمام الذي أعطي لها داخل المنظمة الدولية سوى انعكاس الاهتمام الرأي العام العالمي بها عبر التاريخ. على أن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب  الأخير بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس قد فرض على قطاع كبير من الرأي العام العالمي والإقليمي والمحلي الكثير من الإهتمام بالقضية المحورية للعرب والمسلمين في فلسطين المحتلة وفي القلب منها القجدس الشريف.

القدس في العهود والمواثيق الدولية

إعداد/ مركز البلاغ للدراسات

بالتعاون مع الموسوعة الفلسطينية

نشأت القضية في نطاق الأمم المتحدة نتيجة مباشرة لقرار تقسيم فلسطين* الذي أصدرته الجمعية العامة برقم 181 وتاريخ 29/11/1947. فقد نص هذا القرار على أن تدويل القدس أفضل وسيلة لحماية جميع المصالح الدينية في المدينة المقدسة. كما نص قرار التقسيم على جعل منطقة القدس، لا مدينة القدس وحدها “منطقة قائمة بذاتها “Corpus Separaturm، وجعلها تضم بلدية القدس مضافاً إليها القرى المحيطة بها حيث تكون قرية أبو ديس أقصاها في الشرق وبيت لحم* أقصاها في الجنوب وعين كارم* أقصاها في الغرب وشعفاط أقصاها في الشمال. وعهدت الجمعية العامة إلى مجلس الوصاية بوضع نظام خاص بمنطقة القدس على أن ترتبط بوحدة اقتصادية مع الدولتين العربية واليهودية. وعندما رفضت الدول العربية مشروع التقسيم بكامله شمل رفضها تدويل القدس كما جاء في المشروع. وانقسم الصهيونيون فيما بينهم فقسم قبل التدويل وقسم رفضه. ولكنهم وافقوا جميعاً في النهاية على قبول التدويل كسباً للأصوات لمصلحة التقسيم، ولا سيما أصوات الدول الكاثوليكية في الأمم المتحدة، وطمعاً في تحقيق كيان الدولة اليهودية الذي تم لهم. فالذي كان يهم الصهيونيين بالدرجة الأولى آنذاك هو تثبيت الدولة وإرساء أسسها حتى اذا ضمنوا ذلك اتجهوا في الوقت المناسب إلى توسيع رقعة الدولة وحدودها.

منظر عام للقدس الغربية

 

وفي 21/4/1948 قدم مجلس الوصاية في الأمم المتحدة نظاماً دولياً لمنطقة القدس تنفيذا لقرار التقسيم. وكان من أدق النواحي التي جابهها مجلس الوصاية مشكلة انتخاب المجلس التشريعي. فقد جاء في قرار الجمعية العامة أن نظام الحكم في القدس يجب أن يقوم “على أساس الاقتراع العام والسري والتمثيل النسبي للسكان”. ولكن كلا الفريقين العربي والصهيوني كان يرفض أن تكون في هذا المجلس أكثرية من الفريق الآخر. ثم اشتد النزاع في فلسطين بين العرب والصهيونيين فقرر مجلس الوصاية تقديم مشروع نظامه إلى الجمعية العامة التي كانت منعقدة وقتئذ في دورة خاصة.. ثم طلب من الجمعية العامة تعليمات جديدة. ووقف الأمر حينذاك عند هذا الحد. وفي 13/5/1948 طلبت الجمعية العامة(دورة خاصة -2) بقرارها رقم 187 من السلطة المنتدبة” أن تعين قبل 15/5/1948 شخصاً حيادياً مقبولاً من العرب واليهود لمركز محافظ مدينة القدس ليقوم بالتعاون مع لجانها القائمة في القدس بتنفيذ الأعمال التي كانت تنفذها في المدينة لجنة البلدية”. وقد تم بالفعل تعيين هارولد ايفانز، وهو مواطن أمريكي من طائفة الأصدقاء الدينية “الكويكرز Quakers”، فذهب إلى القدس، ولكنه مكث فيها قليلاً ثم عاد لعدم تعاون أحد من الطرفين معه.

وفي 14/5/1948 قررت الجمعية العامة (القرار رقم 168 دورة خاصة -2) ارسال وسيط دولي الى فلسطين. وفي 20/5/1948 ثم تعين الكونت فولك برنادوت فذهب إلى فلسطين ودرس الوضع فيها. وفي 27/6/1948 قدم حلوله السياسية لمشكلة فلسطين بكاملها. وقد أوصى بضم منطقة القدس إلى الدولة العربية على أن تكون لليهود لا مركزية إدارية ضمنها. وأكد برنادوت جازماً أن الدولة العربية هي المحيط الطبيعي للقدس، وأنها بالتالي تشكل وحدة اقتصادية وسياسية معها (رَ: برنادوت، مشروع).

 الوضع الخاص للقدس في مجلس الوصاية التابع للأمم المتحدة 

منظر جانبي للقدس يظهر فيه مسجد قبة الصخرة

في 19/8/1948 نظر مجلس الأمن في وضع القدس بالذات وصوت على القرار رقم 56 الذي حذر فيه الفريقين المتحاربين بأنهما يتحملان مسؤولية ما يقع من أضرار على أيدي القوات النظامية وغير النظامية، وأنه لا يحق لأي فريق أن يجني ربحاً مهما يكن نوعه من جراء خرق الهدنة. وطلب من الوسيط الدولي تجريد القدس من السلاح لحمايتها من الدمار.

انصرف هم الوسيط الدولي إزاء القدس أولاً إلى تجريدها من السلاح فقبل العرب ذلك، ولكن الصهيونيين تهربوا منه. وهنا بدأ يظهر تحول الموقف الصهيوني بعدما احتل الصهيونيين مناطق واسعة في اللد* والرملة* وشقوا طريقاً بين تل أبيب والقدس ونقلوا عبرها الذخائر والمؤن إلى القدس وراحوا يتطلعون إلى المدينة المقدسة على أنها جزء لا يتجزأ من الدولة اليهودية. ثم تطور الموقف العسكري تطوراً كبيراً لمصلحة العصابات الصهيونية، مما جعل الوسيط الدولي يرجع عن رأيه السابق بضم القدس إلى الدولة العربية ويدعو إلى تدويلها. ففي آخر تقرير له وقعه قبل مقتله على أيدي الإرهابيين الصهيونيين ورفعه إلى الجمعية العامة في 16/9/1948 أوصى “بأن ينظر إلى القدس بصورة مستقلة وأنها يجب أن توضع تحت رقابة الأمم المتحدة مباشرة مع إعطاء سكانها من اليهود والعرب لامركزية إدارية، وضمان حماية الأماكن المقدسة وسهولة الوصول إليها”.

يرجع عن رأيه السابق يضم القدس إلى الدولة العربية ويدعو إلى تدويلها. ففي آخر تقرير له وقعه قبل مقتله على أيدي الإرهابيين الصهيونيين ورفعه إلى الجمعية العامة في 16/9/1948 أوصى “بأن ينظر إلى القدس بصورة مستقلة وأنها يجب أن توضع تحت رقابة الأمم المتحدة مباشرة مع إعطاء سكانها من اليهود والعرب لامركزية إدارية وضمان حماية الأماكن المقدسة وسهولة الوصول إليها”.

انعقدت الجمعية العامة في دورتها الثالثة العادية في خريف 1948. وكانت القوات الإسرائيلية قد احتلت مدينة القدس الجديدة بكل أحيائها العربية، كما احتلت القوات الأردنية القدس القديمة وفيها الأماكن المقدسة كلها، وتركزت قوات الفريقين المتقاتلين في مناطقهما. ولكن ذلك لم يمنع الجمعية العامة من الاصرار على تدويل منطقة القدس فصوتت في 11/12/1948 على قرارها رقم 194 (دورة 3) الذي أنشأت بموجبه لجنة التوفيق*. وكان بين المهام التي عهدت بها اليها وضع نظام دائم لتدويل منطقة القدس. وعادت في هذا القرار فاكدت حدودها كما وردت في قرار التقسيم مع حماية الأماكن المقدسة (الفقرة 8 من القرار).

 القسم الخاص بالقدس في إجتماع لجنة “لوزان” 

المقدسيون العرب واليهود في القدس

اجتمعت لجنة التوفيق إلى الوفود العربية والوفد الإسرائيلي خلال عام 1949. وكان أهم هذه الاجتماعات تلك التي عقدت في لوزان وأدت في 13/5/1949 إلى توقيع بروتوكول لوزان الذي وردت تفاصيل ما سبق توقيعه وما لحقه في التقرير الثالث للجنة التوفيق (الوثيقة 927) بتاريخ 21/6/1949. وتضمن هذا التقرير قسما خاصا يتعلق بقضية القدس (الفقرات 34-38). وقدمت الوفود العربية اقتراحات قائمة على تدويل منطقة القدس تدويلاً تاماً تنفيذاً لقرارات الجمعية العامة، مع المحافظة على وحدة المنطقة من دون تقسيم وتزويدها بأجهزة الحكم الدولية، في حين طالب الصهيونيون اللجنة أن تقر الأمر الواقع في القدس، وأن يقتصر التدويل على الأماكن المقدسة فحسب. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل “نقلت حكومة إسرائيل – على حد ما جاء في التقرير- بعض وزاراتها ودوائرها الحكومية إلى القدس وأقامتها ضمن المنطقة المحدودة في الفقرة 8 من القرار 194(دورة 3) الذي كانت الجمعية العامة قد طلبت فيه من لجنة التوفيق بتقديم اقتراحات مفصلة لإقامة نظام دولي دائم في المدينة” (الفقرة 36 من التقرير). وقد قدمت الوفود العربية مذكرة احتجاج قوية إلى لجنة التوفيق تطلب فيها سحب كل الدوائر التي نقلتها (إسرائيل) إلى القدس. وتولت لجنة التوفيق ابلاغ الوفد الإسرائيلي هذا الاحتجاج وتبادلت رسائل في هذا الشأن مع السلطات الإسرائيلية.

لكن اعتماد (إسرائيل) الأمر الواقع لم يمنع لجنة التوفيق من القيام بالمهمة التي عهدت بها إليها الجمعية العامة لوضع نظام دولي للقدس. فوضعت مشروعاً عرضت التدويل فيه بأخف أشكاله وقدمته إلى الجمعية العامة في دورتها المنعقدة ابتداء من خريف 1949 (الوثيقة 1973). وأبرز ما فيه هو الآتي:

“الهدف الأساسي من المشروع كان التوفيق بين ما طلبته الجمعية العامة من مراعاة الادارية الداخلية الذاتية في القدس ومصالح المجتمع الدولي. ولتحقيق هذا الهدف تقسم القدس إلى منطقتين: عربية ويهودية، وتقوم سلطات الطرفين بإدارة المنطقة التابعة لها ومعالجة كل الأمور إلا ما كان منها ذا صفة دولية. ويعين لها مفوض يمثل الأمم المتحدة – تعينه الجمعية العامة – ويكون مسؤولاً إزاءها، ومهمته أن يسهر على حماية الأماكن المقدسة وصيانتها، وأن يشرف على تجريد المنطقة من السلاح وتحييدها وعلى ضمان حقوق الانسان وحقوق مختلف الفئات المتميزة. وينشأ مجلس عام يشكل من ممثلين عن العرب والإسرائيليين يترأسه مفوض الأمم المتحدة لينسق الأمور التي تهم الفريقين. وتكون وظيفة هذا المجلس استشارية. وتنشأ أيضاً محكمتان، واحدة دولية، والأخرى مختلفة، ولكنهما لا تأخذان مكان الأجهزة القضائية القائمة في كل من المنطقتين. ومهمة المحكمة أن تضمن احترام أحكام هذا المشروع من قبل سلطات الأمم المتحدة في القدس وسلطات الطرفين في المنطقة. وتنظر المحطمة المختلفة في الدعاوى التي تقع بين العرب واليهود، وتحرض على ضمان أحكام عادلة للعرب الذين يحاكمون في المنطقة اليهودية، أو لليهود الذين يحاكمون في المنطقة العربية، وهي احتمالات ممكنة الوقوع عندما تعود العلاقات إلى حال طبيعية بين المنطقتين. وتستأنف الزيارات للأماكن المقدسة التي تقع في كل من المنطقتين على جانبي خط الهدنة”.

وتضمن المشروع أيضاً أحكاماً مفصلة من أجل حماية الأماكن المقدسة والمباني الدينية، وأوكل إلى مفوض الأمم المتحدة أن يسهر على تنفيذ التعهدات التي يمكن أن يعطيها كل من الفريقين من أجل حماية الأماكن المقدسة والأبنية الدينية في فلسطين خارج منطقة القدس. والمشروع واضح من حيث انه لا يحق للعرب أو لليهود أن يجعلوا من القدس عاصمة لهم. وقد عينت لجنة التوفيق مفوضا للأمم المتحدة، ولكنه لم يتسلم مهامه قط.

تباينت مواقف الدول من هذا المشروع فاعترض عليه الصهيونيون بشدة وقالوا انهم لا يقبلون بديلاً عن الوضع الراهن في القدس. وهدد أعضاء المنظمة الإرهابية “الارغون”* الذين شكلوا بعد إنشاء (إسرائيل) حزب “حيروت”* بأن يعيدوا إحياء منظمتهم ويمنعوا بالقوة مجيء أي مفض يمثل الأمم المتحدة في القدس. فالقدس في نظرهم كانت ويجب أن تبقى إلى الأبد عاصمة (لإسرائيل). وأما الدول العربية باستثناء الأردن التي كانت تسيطر على القدس القديمة فقد رفضته لأنها أصرت على التدويل التام الصحيح كما قررته الجمعية العامة.

يمكن القول إجمالاً بأن مشروع لجنة التوفيق قوبل ببرودة وفتور. وقدمت مشاريع أخرى بديلة كلها تضعف التدويل. غير أن الجمعية العامة في دورة انعقادها الرابعة العادية لم تكن على استعداد لقبول الحلول الضعيفة بل كانت على العكس ترغب في توطيد نظام دولي دائم يشمل القدس بكاملها. وقد ساعد هذا الاتجاه موقف قداسة البابا المؤيد للتدويل، وتبعه في ذلك الدول الكاثوليكية. وكان موقف الدول العظمى (ومنها الاتحاد السوفيتي) مؤيداً للتدويل. وشهدت الجمعية العامة في آخر جلسات الدورة الرابعة نقاشاً حاداً عنيفاً حول القدس، وأصدرت في 9/12/1949 القرار رقم 303 (دورة – 4) الذي عادت فاكدت فيه ضرورة وضع القدس تحت نظام دولي دائم كما جاء في قرار التقسيم والقرار رقم 194 (دورة-3) تاريخ 11/12/1948، وطلبت من مجلس الوصاية أن يتم النظام الأساسي لتدويل القدس آخذاً في الاعتبار التطورات الجديدة التي حصلت منذ التصويت على القرارين المشار إليهما، “حيث أدخلت تعديلات يقصد بها إيجاد ديمقراطية أكبر، على ألا يسمح مجلس الوصاية بأية أعمال تقوم بها أية حكومة أو حكومات مهتمة بالأمر، بتحويله عن تبني النظام الأساسي للقدس وتنفيذه”. وقررت الجمعية العامة في 9/12/1948 فتح اعتماد بمبلغ ثمانية ملايين دولار لتنفيذ النظام الدولي المذكور.

صوتت (إسرائيل) ضد هذا القرار وأخذت في الوقت ذاته باستكمال نقل وزاراتها ودوائرها الحكومية من تل أبيب إلى القدس لتجعل منها عاصمتها بالأمر الواقع قبل أن تتمكن المنظمة الدولية من تنفيذ قرارها. وتجاهلت ما وجه إليها من تحذيرات، كما تجاهلت قراراً من مجلس الوصاية يعبر فيه عن قلقه لما تقوم به (إسرائيل) ويطلب منها “إلغاء تلك الإجراءات والامتناع عن أي عمل من شأنه أن يحول دون تنفيذ قرار الجمعية العامة الصادر في 9/12/1949”. وفي 26/12/1949 أخذت الكنيست* الإسرائيلية تعقد اجتماعاتها في القدس. وفي 23/1/1950 وافقت على إعلان القدس عاصمة (لإسرائيل)، وقالت إنها كانت عاصمة منذ اليوم الأول لاعلان قيام (إسرائيل). ونقلت كل الوزارات إليها ما عدا وزارة الخارجية التي تم نقلها في تموز 1950.

مجلس الوصاية وقرار تدويل المدينة الذي رفضه العرب واليهود 

إحدى القرى الفلسطينية المهجرة في مدينة القدس

لكن ما قامت به (إسرائيل) لم يمنع مجلس الوصاية من استكمال المهمة التي عهدت بها إليه الجمعية العامة فاجتمع في جلسة خاصة من 8 إلى 20/12/1949 وأصدر القرار رقم 113 الذي طلب بموجبه من رئيس المجلس روجيه غاور أن يضع ورقة عمل عن مشروع النظام الأساسي لتدويل القدس، وأن يدعو حكومة (إسرائيل) إلى الرجوع عما قامت به. وفي 4/4/1950 أتم مجلس الوصاية في جنيف إعادة النظر في مشروع النظام الدولي الدائم للقدس وعهد إلى رئيسه ابلاغه إلى السلطتين الإسرائيلية والأردنية من أجل وضعه موضع التنفيذ. وفي 1/6/1950 استأنف مجلس الوصاية اجتماعاته في نيويورك. وقد أدلى رئيسه ببيان عن المهمة التي عهد المجلس بها إليه فقال ان حكومة الأردن ما زالت عند موقفها الذي أحاطت به المجلس في نيسان 1950، وهو أنها لا تمانع في أن تتأكد الأمم المتحدة بين حين وآخر من حماية الأماكن المقدسة وسهولة الوصول إليها، ولكنها ترفض التدويل. كما أن (إسرائيل) تقبل أن تكون للأمم المتحدة مسؤولية مباشرة إزاء الأماكن المقدسة، ولكنها ترفض التدويل أيضاً. وقد بعثت إليه في 23 أيار باقتراحات لا تخرج في جوهرها عن تثبيت الأمر الواقع الذي حققته بالإضافة إلى موقفها المعروف من تدويل الأماكن المقدسة. واعتبر المجلس أن مهمة رئيسه لم تكن ناجحة وأن تنفيذ تدويل القدس في هذه الشروط أمر يكاد يكون مستحيلاً. وفي 14/6/1950 قرر مجلس الوصاية وقع القضية من جديد إلى الجمعية العامة في دورة انعقادها العادية الخامسة. مع مشروعه الجديد لتدويل القدس وتقارير الرئيس غارو. غير أن الجمعية لم تتبن تقرير مجلس الوصاية، ولم تتخذ في تلك الدورة أو بعدها قراراً في الموضوع. ويظهر أن الستار أسدل تماماً على قضية القدس – إلا ما نجده من إشارات مختصرة في تقارير لجنة التوفيق لعامي 1950 – 1951، إلى أن كان عام 1967.

أكملت (إسرائيل) احتلال القدس خلال حرب 1967* وضعت القدس العربية إلى القدس الجديدة ونفذت ذلك كله تحت شعار توحيد المدينة المقدسة. وأخذت تطرد السكان العرب تمهيدا لتهويد القدس العربية وتغير معالمها. وقد نظرت الجمعية العامة في الدورة الطارئة الخامسة الخاصة المنعقدة من 4 إلى 21/7/1967 في أزمة الشرق الأوسط الناشئة عن عدوان حزيران. وكانت قضية القدس هي القضية الوحيدة بين كل القضايا المتفرعة عن قضية فلسطين والنزاع العربي – الإسرائيلي التي اتخذت قرارات حاسمة في شأنها بعد شهر من حرب حزيران 1967، عدا ما يشار إليه “بالقضية الإنسانية” أي قضايا “النازحين الجدد” والسكان العرب في المناطق المحتلة. والفارق بين القضيتين أن لقضية القدس أبعاداً سياسية وقانونية ودية. فقد صوتت الجمعية العامة في 4/7/1967 على القرار رقم 2253 الذي أعربت فيه عن قلقها التشديد للاجراءات التي اتخذتها (إسرائيل) في القدس، واعتبرتها لاغية وطلبت من حكومة (إسرائيل) “إلغاء كل التدابير التي اتخذت والامتناع فوراً عن القيام بأي عمل من شأنه أن يبدل من وضع القدس”. كما طلبت من الأمين العام “إعلام الجمعية العامة ومجلس الأمن عن الوضع في المدينة المقدسة وعن تنفيذ هذا القرار، وذلك في غضون أسبوع بعد التصويت عليه”. وبالفعل قدم الأمين العام تقريراً في 10/7/1967 رقمه 8052 /أ و 6753/ج أوضح فيه أن (إسرائيل) لم تتراجع عن أي من الإجراءات التي اتخذتها وأنها ماضية فيها. وعادت الجمعية العامة فأكدت في 14/7/1967 قرارها السابق بقرار ثان رقمه 2254. وقد عين الأمين العام على أثره ممثلاً خاصاً له هو السفيرثالمان من سويسرا فذهب إلى القدس ودرس الأوضاع فيها وقدم في 12/9/1967 تقريراً ثانياً إلى كل من الجمعية العامة ومجلس الأمن عرف بتقرير ثالمان واتضح منه أن (اسرائيل) طبقت على القدس بكاملها وبعض المناطق المحيطة بها وكانت تابعة للأردن التشريعات الإسرائيلية. وقد صوت مجلس الأمن بين عامي 1968 و1971 على ستة قرارات بشأن القدس. ففي 27/4/1968 صوت على القرار 250 الذي يدعو (إسرائيل) إلى الامتناع عن إقامة العرض العسكري في القدس لأن ذلك “سيزيد من حدة التوتر في المنطقة ويكون له تأثير سلبي على التسوية السلمية”. ولكن (إسرائيل) مضت في عرضها فعاد مجلس الأمن وصوت في 2/5/1968 على القرار 251 الذي أبدى المجلس فيه “أسفه العميق لإقامة العرض العسكري في القدس يوم 2 أيار تجاهلاً من إسرائيل للقرار الذي اتخذه المجلس بالإجماع يوم 27/4/1968”.

مراحل تهويد القدس من خلال العصابات الصهيونية 

بيت عطاب قرية فلسطينية تفي القدس هدمت من قبل إسرائيل خلال الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948.

تابعت (إسرائيل) اتخاذ المزيد من الإجراءات الرامية إلى تهويد القدس فعمدت إلى استملاك الأراضي العربية وإخراج السكان العرب من بيوتهم وأملاكهم والاستيلاء عليها بالقوة وإنشاء المباني عليها والمجيء بآلاف المهاجرين اليهود ليحلوا محل السكان العرب الأصليين. فاشتكت الأردن مجدداً إلى مجلس الأمن. وبعد جلسات عدة درس فيها المجلس الشكوى الأردنية صوت على القرار رقم 252 في 21/5/1968. وقد استذكر المجلس فيه قراري الجمعية العامة المتحدين في الدورة الطارئة الخامسة ولاحظ “أن إسرائيل اتخذت المزيد من الإجراءات والأعمال التي تتنافى مع هذين القرارين”. و”أكد رفضه الاستيلاء على الأراضي بالقوة” وأبدى أسفه “لعدم امتثال إسرائيل لهذه القرارات”. ثم عاد فنص على أنه “يعتبر كل الإجراءات الإدارية والتشريعية والأعمال التي قامت بها إسرائيل وبما في ذلك مصادرة الأراضي والأملاك التي من شأنها أن تؤدي إلى تغيير في الوضع القانوني للقدس، إجراءات باطلة” و”يدعو إسرائيل بشدة إلى أن تلغي هذه الإجراءات، وأن تمتنع فوراً عن القيام بأي عمل آخر من شأنه أن يغير وضع القدس”. وطلب المجلس من الأمين العام تقديم تقرير عن تنفيذ هذا القرار. وفي 11/4/1969 قدم الأمين العام تقريراً رقمه 9194 / أ أوضح فيه أن الحكومة الإسرائيلية مستمرة في أعمالها. ثم قدم تقريراً لاحقاً في 30/6/1969 رقمه 9199/أ أورد فيه نصوص التشريعات الإسرائيلية التي تتعلق بالوضع في القدس وتثبت استمرار (إسرائيل) في القيام بتغيير معالمها.

واجتمع مجلس الأمن في 30/6/1969 بناء على طلب الأردن واتخذ في 3 تموز القرار 267 الذي ندد فيه، جرياً على القرار السابق، بكل الاجراءات التي اتخذتها (إسرائيل) لتغيير معالم القدس، بما في ذلك مصادرة الأراضي والممتلكات العربية. واعتبرها لاغية وألح على (إسرائيل) من جديد أن تلغي فوراً كل ما اتخذته من إجراءات. وطلب من الأمين العام رفع تقرير عن تنفيذ هذا القرار. وأصدر المجلس في 15/9/1969 قراره رقم 171 الذي دان فيه (إسرائيل) لتسببها في حريق المسجد الأقصى.

وتنفيذاً لقرار مجلس الأمن رقم 267 بتاريخ 3/7/ 1969 قدم الأمين العام في 5/12/1969 تقريره رقم 9537/أ، وأورد فيه جواب (إسرائيل) المتضمن إصرارها على ألا تتراجع عن توحيد القدس، أي أنها ماضية في الإمعان في اتخاذ إجراءاتها لتهويد المدينة.

أهم قرارات “مجلس الوصاية” التي جاءت لصالح العرب في القدس

منزل في إحدى القرى المهجرة في فلسطين المحتلة

عاد مجلس الأمن يدين تصرفات (إسرائيل) الهادفة إلى تهويد القدس وتغيير معالمها فاستصدر في 25/9/1971 قراره رقم 298 الذي أشار فيه إلى قراراته وقرارات الجمعية العامة السابقة، ولا سيما قراري الجمعية العامة رقم 2253 ورقم 2254 (الدورة الطارئة 5) الصادرين في شهر تموز 1967، وإلى تقارير الأمين العام المتتالية حول رفض (إسرائيل) الامتثال لرغبة المجتمع الدولي في احترام المركز الخاص للقدس، وأكد هذه القرارات كلها مبدياً أسفه لعدم انصياع (إسرائيل) لها. ثم مضى المجلس “يؤكد بأوضح العبارات الممكنة أن جميع الأعمال التشريعية والإدارية التي قامت بها إسرائيل لتغيير وضع مدينة القدس، ومن ضمنها مصادرة الأراضي والممتلكات ونقل السكان والتشريع الذي يهدف إلى ضم القطاع المحتل، لاغية كلياً ولا يمكن أن تغير ذلك الوضع”. ودعا المجلس إسرائيل بإلحاح” إلى إلغاء جميع الإجراءات والأعمال السابقة وإلى عدم اتخاذ خطوات أخرى في القطاع المحتل من القدس قد يفهم منها تغيير وضع المدينة أو يجحف بحقوق السكان ونصائح المجموعة الدولية أو بالسلام العادل الدائم”. وفي 19/12/ 1971 قدم الأمين العام تقريراً إلى مجلس الأمن جاء فيه أنه بعد التشاور مع رئيسه وجد أن أفضل طريقة لتنفيذ القرار هي إرسال بعثة مؤلفة من ممثلين عن ثلاثة أعضاء من المجلس (الأرجنتين وايطاليا وسيراليون). غير أن (إسرائيل) أعارت كعادتها هذا القرار وتقرير الأمين العام أذنا صماء، مما حمل المجلس في 1/3/1980 على استصدار قرار أشد لهجة برقم 465، ولكن دون جدوى.

وفي 28/5/1980 وجه ممثل الباكستان ورئيس منظمة المؤتمر الإسلامي* رسالة إلى مجلس الأمن ناشده فيها اتخاذ موقف حازم من إمعان (إسرائيل) في خرقها لأحكام ميثاق الأمم المتحدة وقرارات هيئاتها الرئيسة حول القدس بصورة خاصة.فأصدر مجلس الأمن قراره رقم 476 بتاريخ 30/6/1980. وفيه شعب إصرار (إسرائيل) على تغيير الطبيعة المادية والتركيب السكاني وبنية المؤسسات والمركز القانوني للمدينة المقدسة القدس، وعبر عن قلقه العميق من الخطوات التشريعية المتحدة في الكنيست الإسرائيلي بهدف تغيير صفة ومركز المدينة المقدسة، وشجب بقوة رفض (إسرائيل) المستمر، بوصفها سلطة محتلة، الاستجابة لقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة ذات الصلة. وعاد المجلس، بقراره هذا،فأكد مضمون قراراته السابقة من لا شرعية جميع الاجراءات التشريعية والإدارية التي اتخذتها السلطات المحتلة وعدها لاغية. وقرر المجلس لذلك تصميه، في حال رفض (إسرائيل) الالتزام بهذا القرار، على بحث الطرق والوسائل العملية التي ينص عليها ميثاق الأمم المتحدة لضمان التنفيذ الكامل لهذا القرار. وقد صدر هذا القرار بموافقة 14 دولة. ولم تصوت ضده أي دولة في حين أصرت الولايات المتحدة على الامتناع عن التصويت.

الأثار المترتبة على قرار أمريكا نقل سفاراتها للقدس المحتلة 

داخل أسوار البلدة القديمة

إن “إسرائيل” المدعومة بالامبريالية العالمية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، أمعت في تحدي الأمم المتحدة ومجلس أمنها والتهديد الموجه إليها من قبله فعمدت في شهر آب  أغسطس من عام 1980 ذاته إلى إعلان ضم القدس المحتلة إليها نهائياً وجعل المدينة عاصمتها الأبدية. فقد أقر الكنيست الإسرائيلي قانوناً نص على:

“1) أن القدس الموحدة كاملة هي عاصمة إسرائيل.

“2) أن القدس مقر رئيس البلاد والكنيست والحكومة والمحكمة العليا.

“3) أن الأماكن المقدسة ستحمي من التدنيس، أو من أي أضرار، أو أي شيء يمكن أن يؤثر على الوصول الحر لكل الديانات إلى أماكنها المقدسة أو على مشاعرها نحو هذه الأماكن.

“4) أن الحكومة ستشرف على تطوير القدس ونموها ورفاء سكانها بتخصيص أموال خاصة لبلدية القدس بموافقة اللجنة المالية في الكنيست، وستحظى القدس بأولويات خاصة في نشاطات دوائر الحكومة لتطوير القدس في الحقول الاقتصادية والحقول الأخرى”.

انعقد مجلس الأمن يعيد صدور هذا القانون الذي وجهت فيه (إسرائيل) صفعتها للأمم المتحدة والعالم المتمدن كله. وفي 20/8/1980 أصدر المجلس قراره رقم 478، وقد جاء فيه ما يلي:

“إن مجلس الأمن،

“1) يستنكر بأشد العبارات إقرار إسرائيل للقانون الأساسي بشأن القدس ورفضها الالتزام بقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.

“2) يؤكد أن إقرار إسرائيل للقانون الأساسي يشكل انتهاكاً للقانون الدولي ولا يؤثر في الانطباق المستمر لاتفاقية جنيف الرابعة المؤرخة في 12/8/1949.

“3) يصمم على أن جميع الإجراءات التشريعية والإدارية والأعمال التي قامت بها إسرائيل، السلطة المحتلة، والتي غيرت أو تهدف إلى تغيير طابع المدينة المقدسة ووضعها القانوني، وخاصة القانون الأساسي الأخير بشأن القدس، باطلة ولاغية ويجب أن تلغى.

“4) يؤكد أيضا أن هذا العمل يشكل عائقاً خطيراً لتحقيق سلام شامل وعادل ودائم في الشرق الأوسط.

“5 ) يقرر ألا يعترف بالقانون الأساسي وبأعمال إسرائيل الأخرى الناجمة عن هذا القانون التي تهدف إلى تغيير طابع مدينة القدس وضعها القانوني، ويدعو جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى:

أ- أن تقبل بهذا القرار.

ب- أن تدعو الدول التي أقامت بعثات دبلوماسية في القدس أن تسحب هذه البعثات من المدينة المقدسة.

“6) يرجو الأمين العام أن يقدم تقريراً إلى مجلس الأمن بشأن تنفيذ هذا القرار قبل 15/11/1980.

“7 ) يقرر أن يبقى مهتماً بهذا الوضع الخطير”.

أيدت جميع الدول الأعضاء في المجلس هذا القرار باستثناء الولايات المتحدة التي لم تجد حرجاً في الامتناع عن التصويت عليه متحدية بذلك مشاعر جميع أعضاء الأسرة الدولية.

وقد كان حرياً لمجلس الأمن انفاذاً لقراره رقم 476 (1980) أن يتجاوز الإدانات الكلامية إلى أعمال المادة السادسة من ميثاق الأمم المتحدة التي تقضي بامكانية طرد أي عضو يمعن في خرق أحكام ميثاق الأمم المتحدة .ولكن الفيتو الأمريكي كان ماثلاً على ما يبدو في أذهان الدول الأعضاء فيه فاكتفت بالقرار سالف الذكر. وقد نزلت جميع الدول الأعضاء التي كان لها بعثات دبلوماسية في القدس المحتلة عند رغبة الجماعة الدولية فنقلت بعثاتها من المدينة إلى تل أبيب، كما أصدرت دول كثيرة بيانات تؤيد قرار مجلس الأمن المعبر عن إرادة جميع أعضاء الأمم المتحدة عملا بالمادتين 24 و25 من الميثاق.

المراجع:

 

  • مؤسسة الدراسات الفلسطينية: قرارات الأمم المتحدة بشأن فلسطين والصراع العربي – الإسرئيلي 1947 – 1974 و1975، بيروت.
  • محاضر اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن.
  • الموسوعة الفلسطينية/ الدكتور أسعد عبد الرحمن 
تعليقات فيسبوك

أكتب تعليقك