عبده مغربي يكتب: ما هذا الذي فعله مكرم في الإعلام؟!

في سنوات الصبا ونحن فتية في بلاط صاحبة الجلالة، كان اسم مكرم محمد أحمد لوحده كفيلاً بأن يمنحنا طاقة للتمرد، والجموح، والنديةْ..حتى معه، نحبُ مكرم ونحبُ أن نُناكفه.

حين يتحدث قد يغضب منه  النظام كما قد تغضب منه المعارضة لكنه في الحالتين يحظى بإحترامهما معاً.. هكذا مكرم

 يمنحني إسم مكرم محمد أحمد طاقة هائلة من الإستقلالية، فما زلتُ أتذكر حينما وضعني بمستواه وهو يناقشني، في الفوارق بين جيلي وجيله، كان كمن حمل عصفوراً صغيراً على كفه وراح يحدثه وجها لوجه، رافعاً من قدْري إلى قدْره، وهو من هو، وأنا من أنا، فانا ذلك الذي لم يُنقش له إسم وقتها على جدار المهنة سوى ببضعة موضوعات هنا وهناك، وقف التاريخ كله أمامي يُصر أن يتحدث ويصر أن أستمع له، وأنا بجهالة المتشبث برأيه أرفض إلا أن يكون رأيي هو الصواب ورأي مكرم محمد أحمد- هكذا بدون أستاذ- هو الخطاً، يغضب في وجهك ويثور، لكنه في الحقيقة ليس غضباً، إنما رفعاً لقدرك، وتقديراً لرأيك، وإن اختلفتَ معه في وجهة النظر، فهو وهو على هذا الحال إنما يضع رأيك على نفس السطر الذي يخط عليه هو في ذات اللحظة رأيه، علمتنا التجارب المهنية أن الكبير يسعد بنمو الصغار، لا يقلق من نموهم بل يساعد عليه..هكذا مكرم محمد.. هكذا كان، وهكذا هو الآن.

 لم يتسع فهرس الحياة الصحفية في مصر لأن يدوّن مواقف الأستاذ الكثيرة مع أولاده في المهنة، يُجلّه الجميع بلا استثناء، برغم تباينات الإنتماء، من فصيلٍ إلى فصيل، تحترمه فصائل الإسلام السياسي، برغم ما كان ومازال من هجومه الشديد عليهم، لكنه وهو كذلك فإنه هو أيضا الذي أخرجهم من السجون، عندما تبنى وخاض بهم ومن أجلهم معركة المراجعات، ويهابه أيضاً أباطرة الحزب الوطني لأنه كان الوحيد من رجال الدولة الذي يملك شجاعة أن يهاجم رجال الدولة، كان مسموعاً من الجميع، ومحل تقدير الجميع،  ولم يكن ليتأتى له ذلك إلا لأنه في كل مواقفه إنما ينطلق من أرضيته الشخصية لا من أرضية النظام الحاكم، ولا من أرضية المعارضة، ولا حتى من أرضية الوسط، التي يمسك أصحابها العصا من المنتصف، كان ومازال ينطلق من أرضيته هو، أرضيته التي يزرع فيها قناعاته، على عينه، ثم ينثر ثمارها في وجه الجميع، استساغها من استساغ، وغصّها من غصْ، لم يسبق له أن روّج بضاعة فاسدة لأنه مُكلف بتسويقها، هو لا يُسوّقُ إلا ما يقتنع به، وإن سألته عن رأيه في أمر، سيقول فيه ما له وما عليه.

لا يعبأ كثيرا بمن معه أو من عليه.. يطلق قناعاته في وجه الجميع

أحببته وأحببتُ ان أشاغبه، لكن رويداً رويداً مع تسرّب حبيبات الوعي إلى إدراكي بحكم التجارب، وجدتني أستمتع أمامه أكثر بحال المريد مع الشيخ، أنْصِتْ، ثم أنْصِتْ، ثم أطلب المزيد في صمت، فمن أداب المريد- كما يقول الصوفية- أن يتأدب مع الشيخ، لا يتحدث في حضرته، إلا حين يُطلب منه الحديث، فقط ينصت ثم ينصت، ثم ينصت.. لكي ينهل، وقد أحببت أن أنظر إلى الكبير من مسافة بعيدة، تكون الرؤية فيها أعم وأوضح، فوجدته كما وجده غيري لا يملك في مواقفه كلها إلا فوهة واحدة، منها يطلق الرصاص، ومنها أيضاً ينثر الزهور، ومن الغريب أن الهدف الذي كان قد أصابه برصاصة في الأمس، يمكن أن يقذف وردة في وجهه اليوم وبنفس الحدة، العبرة عنده بالموقف لا الشخص، يثور في أقرب أصدقائه من أجلك إذا حالفك الحق، أما إذا خالفك، فإنه يثور في وجهك من أجل آخر، هكذا رأيناه، وهذا ما منه ألِفْناه.

 

إحترامة لمقام الرئيس _ أي رئيس_ لم يحجب قط الحضور الطاغي لشخصيته أينما حل

في حوار له مع جريدة الأهرام عن علاقته بمبارك قال الكبير: ” ..أنا لم أكن فى وضع متميز من مبارك. كل رئيس فى النهاية يحاول أن يعقد علاقات ودية مع رؤساء التحرير، لأنهم ينقلون صوته وصورته للناس. ولذلك كان مبارك يُفهم كل واحد منهم أنه الأقرب إليه. وأنا، بحكم شيبتى، لم أكن أنخدع بهذه اللعبة. بعد علاقة عبدالناصر وهيكل، لم يكن السادات ولا مبارك على استعداد لأن يأمنوا جانب أى صحفى، مهما اقترب منهم، ثم إننى لم أكن الوحيد الذى يسأل مبارك، كان معى آخرون، لكنى كنت الوحيد الذى يسأله عن أشياء لا يستطيع غيرى سؤاله عنها..” .

هذه هي نظرة مكرم لنفسه، وهي نفسها الصورة التي رسمها لها الآخرون..من يحبونه ومن يكرهون: هو رجل يخلص للمهنة لا للنظام، وإن كان إخلاصه للدولة يفسره البعض أحياناً على أنه إخلاص للنظام، رغم أن الفرق بينما واضح ويمكن أن تميزه بموقفه من قضية”الجزيرتين” حينما انحاز فيها للدولة في مواجهة النظام، مستنكراً الطريقة التي عولجت بها القضية من الأساس، سواء من جانب المملكة العربية السعودية، أو من جانب النظام المصري، هكذا هو مكرم بمذاقه الخاص، المستقل برأيه، سواء صبّ هذا الرأي في مصلحة النظام أو ضده، الأهم عنده الدولة يسعى لتقويم نظامها بالرأي والمشورة، ويدافع عن النظام لأجلها إذا ما اقتضت الضرورة.

الصورة التي كان لمكرم محمد أحمد دور كبير في إخراجها بهذا الشكل

على رؤوس الأشهاد، وفى الطائرة وأمام كل الصحفيين. اختلف “مكرم”  مع “مبارك” حول إيران، يقول الكبير : “وكان رأيى أنه من الضرورى أن تكون بيننا وبينها علاقات، مبارك تصور أن مناقشاتى المستمرة مع المشير أبو غزالة هى التى وضعت فى ذهنى ذلك. كان أبو غزالة يتفق معى فى أن علاقتنا بإيران سوف تضبط وضع مصر فى الخليج. وتكون، فى الوقت نفسه، حائط صد ضد صدام حسين الذى كان يأخذ منا الأسلحة ويشيع أن المصريين تحولوا إلى تجار سلاح. كان يقول أمام حزبه، إننا لا نعطيه السلاح لأننا قوميون، بل لأننا نريد المال ! ولذلك فاتحت الرئيس فى هذا الموضوع، ذهبت إلى إيران ولما عدت قلت له: أعتقد يا سيادة الرئيس أنه كان يمكن لك أن تؤثر فى سير الحوادث، لأن محمد خاتمى كان يحتاج إلى مساندتك فى مواجهة المحافظين. فقال لى: يبقى إنت بقى مستفيد منهم ؟ هذا ما حدث بالضبط فاحمر وجهى واصفر، ولما رآنى هكذا عاد قبل أن يدخل الكابينة وقال لى : أوعى تزعل، وافتكر إنك كنت بتقول عن الإيرانيين إنهم مش كويسين. فقلت له: حصل، لكن هذا لا يمنع من إقامة علاقات معهم. وأضفت: أنا عاتب عليك يا سيادة الرئيس، لأنك تقول هذا الكلام وأنت تعرف من هو مكرم محمد أحمد ؟

يستكمل مكرم حديثه لجريدة الأهرام عن علاقته بـ”مبارك” فيقول: “.. ثم اختلفنا حول الانتخابات الأخيرة (في نظامه) قلت له: أحمد عز هيخرب البلد. وكتبت أن هذه الانتخابات مزرية وقد خاصمتْ الواقع المصرى وأدت إلى تفاقم علاقة الحكم بالشارع المصرى، قال لى: هنصلح، “بس مشى أوى كده”، هم لم يبتدعوا النتائج. لكنى أجبت: لا يا سيادة الرئيس: هم ابتدعوا النتائج ؟..”

غضب مبارك من مكرم قبيل الثورة ثم جاءت الثورة وغضبت أيضاً من مكرم..في الحالتين مكرم هو نفسه مكرم.. الذين تغيروا هم فقط الذين عرفوه عن قرب

كثيرون هم كُتاب المقالات وأصحاب الأعمدة الخرسانية في الصحف والمجلات، لكن مكرم غير، يُصرّ دوماً على ممارسة المهنة كأي صحفي، ينزل إلى الشارع، ويقابل المصادر، ويحقق المعلومات، ليخرج لنا في النهاية بموضوع مكتمل الأركان، مازال يفعل ذلك حتى وهو في هذه المرحلة العمرية، فالصحفي الذي بداخله أقوى منه، وشغفه بالمهنة حوله إلى راهب في بلاط صاحبة الجلالة، يُفضّل سلامتها على سلامته، وصحتها على صحته، لا يريد لها أن تكون مائلة هنا أو هناك، يريدها عادلة ولو كان الثمنُ..الهلاك، هلاكه هو شخصياً.

لقد أثبتت التجارب أن نقابة الصحفيين كانت في أقوى حالاتها، حينما كان مكرم هو النقيب، حينما تحدّثه عن تجاوز في حق صحفي في الشارع أو في قسم الشرطة، لا ينتظر قليلاً ليفكر، يمسك الهاتف وييتصل بالوزير، هكذا رأساً بدون ترتيب، كانت مكانة الصحفي في عهده، لا تقل عن مكانة وكيل النيابة، أو القاضي، أقنع النائب العام بأن يوجه جميع النيابات ألا تبدأ في التحقيق مع الصحفي- أي صحفي- إلا بعد إرسال أوراق القضية بكاملها للنقابة، أقنعه بجملة بسيطة: “.. نريد ان نخفف عن كاهل النيابة ضغوطات القضايا الكثيرة، أرسلوا لنا القضايا في النقابة نحققها، ونفصل بين أطرافها، فإن فشلنا، نعيدها إليكم..” وقد نجح، ففي كل قضية كانت تُنظر أمام النقابة كان الصحفي حريصاً فيها على اثبات أنه سلك المسلك المهني، في المعالجة، أو أنه أخطأ وسيتوجب علييه الإعتذار، لقد خلق مكرم بيئة صحية في الوسط جعلت من الصحفي رقيباً على نفسه، وفي الوقت ذاته حفظ للصحفي مكانته وهيبته من أن تُهان أو تهدر في سرايات النيابة، لقد اختلف البعض حول شخصية مكرم لكنه لم يختلف أحد على حِرَفيّته، وضميره المهني.

رسّخ لمبدأ الندية بين نقابة الصحفيين وباقي مؤسسات الدولة.. ثم هانت من بعده المهنة والنقابة أيضا

لقد انتفضتُ أمام شاشة التلفاز حينما وقف الكبير في مؤخرة الصفوف يرد لإبراهيم عيسي جهالته في الحديث عن المهنة أثناء مؤتمر الشباب الأول بشرم الشيخ في اكتوبر 2016، غضبتُ للتاريخ أن يجلس في مؤخرة الصفوف هكذا؟ استنكرت بشدة على منظمي الحدث أنهم لم يفسحوا لـ “مكرم” مقعداً يجلس عليه في الصف الأول جنباً إلى جنب بجوار الرئيس، واستنكرت من الكبير أن يدنو بقامته إلى مستوى تلميذ تلاميذه إبراهيم عيسي، فيتحدث إليه من مقاعد الجمهور، هزّني أن يجلس إبراهيم عيسى بالمنصة بينما الكبير آخر الصفوف، هزني الموقف إلى الحد الذي حجبني الغضب من أن أتأمل المحتوى الذي ألقاه الكبير رداً على إبراهيم عيسى الذي ظل يباهي نفسه بأنه حصل على جائزة كذا من كذا، وجائزة كذا من كذا، وأن المهنة يجب أن تكون هكذا وهكذا، ولما أعدتُ سماع كلمة الكبير مرة أخرى على “اليوتيوب”، وجدت أن الزود عن المهنة من أن تتبدل فيها المفاهيم وتتغير فيها الأسس على النحو الذي يشوه صورتها ويُعكّر صفوها ويهدم بنيانها، أهم عند مكرم من تاريخه وقدره، فوقف غاضباً يصحح لإبراهيم عيسى المفاهيم المغلوطة التي يريد لها “عيسى” أن تصبح قواعد جديدة للمهنة، غير تلك التي قامت عليها، إنتاب القلق “مكرم الصحفي” أن يتسرّب إلى وجدان الجيل الجديد مفاهيم “عيسى” المغلوطة عن المهنة، تلك المفاهيم التي تخلط ما هو سياسي بما هو مهني، فانتفض “مكرم” يُصحح ويُرسخ ويُثبت أصول المهنة من جديد على السامعين في جمل سريعة ومحددة، تكشف في باطنها أن الجوائز التي يباهي بها إبراهيم عيسى نفسه ليست مقياساً للمهنية، إنها جوائز سياسية بالأساس وليست مهنية وهي لا تعطيه الحق في أن يهدم الأسس التي قامت عليها الصحافة وترعرعت.

إنتفضت المهنة تدافع عنها نفسها بصوت مكرم، كما كانت ومازالت متألقة في كتابات مكرم، ومواقف مكرم، وتاريخ مكرم، لقد استعانت المهنة بمكرم في الزود عنها من كل ما اُريد بها ولها، فكان حقاً على مصر أن تستعين به أيضاً في قيادة هذا الكيان الوليد” المجلس الأعلى للإعلام” حتى يُعيد بهاء الصحافة والإعلام في مصر مرة ثانية، ذلك أن المهنة قد تداخلت ألوانها وتشوهت أركانها، واختلط فيها الحابل بالنابل، وليس أجدر من الكبير الذي يقدر وبجدارة أن يُعيد إليها هذا البهاء من جديد، في أن يتولى المسئولية، وقد تولاها وها هو يسابق الزمن في وضع القواعد، وبناء السواعد التي تشرف علي ضبط المنظومة الصحفية والإعلامية في مصر  من جديد، بما يتناسب مع قيمتها وقامتها كدولة رائدة في مجال الكلمة، الكلمة الأولى  والوحيدة المسموعة من الله إلى نبيه موسى كانت على جبل الطور في مصر، والكلمة الأولى المقروءة منذ فجر التاريخ كانت وما تزال منقوشة على جدران المعابد الفرعونية في مصر، وكلمة الله (المسيح) التي ألقاها إلى مريم لم تجد الأمن والأمان إلا في مصر.

لأنه كان ومازال ينتصر للمواقف لا الأشخاص بقي مكرم من دون تيار سياسي يسانده.. ثم أصبح بذاته تياراً يهابه الكثير

مكرم لم يكتب قائمة بأسماء الذين عكروا الذوق المصري العام طوال السنوات الماضية بمخلفات أفواههم عبر الصحف والفضائيات، لكي يمنعهم من الظهور في الإعلام، يعلم مكرم جيداً أن هذا القرار سيبطله أي محامي صغير تحت التمرين في محاكم مجلس الدولة، لكنه وضع الأسس التي تمنع ظهورهم من المنبع، لم ينشغل بالشخصيات، إنما انشغل بالسياسيات، عندما وقّع قراراّ بإصدار الكود الأخلاقي في البلد التي شقت فجر الضمير لكي يكون نبراساً للضمير المهني والأخلاقي في الفضائيات، ومعاقبة من لا يلتزم به منها بعقوبات تبدأ مالية وتنتهي بالإغلاق، بحيث تعود للكلمة قدسيتها من جديد، وبحيث لا يصبح مجلسه رقيباً على الفضائيات، بل هي بذاتها  تُصبح رقيبة على ذاتها، فعلها بهدوء ورُقيّ حتى وجدنا أنفسنا وبدون أن يلفتْ إنتباهننا أحد، ننتبه فجاة إلى اختفاء مخلفات الأفواه القذرة في الإعلام، فلم نعد نسمع  تلك الألفاظ البذيئة التي التي هبطت بالذوق المصري العام، بل لم نعد نرى الأفواه نفسها التي اشتهرت بهذه الألفاظ أصلا على الشاشات، بخطوات سريعة ومتلاحقة ارتقى الرجل بالذوق العام، خطوات جادة وسهلة، لا يفعلها إلا الكبير، وقد فعلها مكرم.

دقيق حتي في الأشياء البسيطة.. يراجع القلادة قبل أن يتقلدها

تعليقات فيسبوك

أكتب تعليقك