جهاد عودة يكتب :مركز بحوث الصراعات الدوليه والاهاب فى الشرق الاوسط وافريقيا

يهدف هذا المركز الى البحث فى وتحليل تفسير وتقويم العلاقه بين الصراعات الافريقيه والصراعات الشرق اوسطيه . والفكره الرئيسه فى ان هناك علاقات وثيقه فى ظل العلولمه والتغير الجيواستراتجى بين الصراعات الفريقيه والصراعات الشرق اوسطيه. وتظهر التفاعل فى العلاقات بشكل رئيسى فى مجالات الارهاب ومجالات االهجره الدوليه الى اوربا ومجالات بناء المنظمات الدوليه الاقليميه ومجالات بناء الخبرات الديمقراطيه ومجالات العمل البيئى ومجالات التجاره الدوليه. هذه الست مجالات تحدد فى ذات الوقت مجال اهتمام المركز.

ينقسم المركز الى قسمين الاول مرتبط بالبحث والحليل للصراعات الاقريقيه الشرق اوسطيه ، الست مجالات المشار اليها. والقسم الثانى ينقسم الى ست وحدات ادريه وهى وحده التمويل ووحده التواصل الاكتروني والنت ووحده العلاقات الانسانيه ووحده الترويج والتسويق والوحده الاحصائيه واخيرا وحده تقويم الاداء.
 
الجهاد الدولى فى اطار الصراع على الهيمنه الدوليه:
لعل آخر الأوهام بشأن ما كان يسمى حتى وقت قريب “الربيع العربي” اختفت الآن. فبعد التغير السياسى العسكري في مصر أصبحت البدائل البسيطة المحبطة لمستقبل البلاد شديدة الوضوح. فلم تعد المسألة الآن تدور حول الديمقراطية في مواجهة الدكتاتورية، بل تحول الأمر إلى مواجهة بين ثورة “إسلامية” وثورة مضادة “عسكرية”، فإما الدكتاتورية وإما الدكتاتورية. ولا ينطبق هذا على مصر فحسب، بل أيضا على كل الشرق الأوسط الكبير تقريبا، ولأن كلا الجانبين اختار الصراع المسلح، فإن النتيجة سوف تكون الحرب الأهلية. فالإسلاميون لا يمكنهم الفوز عسكريا، والجنرالات لا يمكنهم الفوز سياسيا، وهذا يضمن عودة الدكتاتورية، والكثير من العنف، وسلسلة من الكوارث الإنسانية. والخيار الوحيد في نظر الجانبين هو السيادة الكاملة وفرض السيطرة، رغم أن أيا منهما ليس لديه أي فهم ولو أولي لكيفية تحديث الاقتصاد والمجتمع، لذا فإن الغَلَبة سوف تكون للسلطوية والركود الاقتصادي من جديد، أيا كان الجانب صاحب اليد العليا. وعلاوة على ذلك فإن الدعم المالي الذي وفرته المملكة العربية السعودية ودول خليجية أخرى جعل الجيش حصينا في مواجهة الضغوط الخارجية. وهكذا فإن مصر تعيد تقديم السيناريو الجزائري. ففي عام 1992، وعندما كانت الجبهة الإسلامية للإنقاذ على وشك الفوز بالانتخابات العامة في الجزائر، نظمت المؤسسة العسكرية في البلاد انقلابا، وسارعت إلى إلغاء الجولة الثانية من الانتخابات. وفي السنوات الثماني اللاحقة، دارت حرب أهلية خاضها الجانبان بوحشية مروعة وراح ضحيتها نحو 200 ألف شخص فقدوا حياتهم. ولا يزال الحكم العسكري في الجزائر قائما بحكم الأمر الواقع حتى يومنا هذا. ولكن دور الإسلام السياسي لا يزال يشكل سؤالا بلا إجابة، ولم تعالج أي من المشاكل الأساسية في البلاد بجدية، وكان قادتها عاجزين عن اغتنام فرص واعدة (على سبيل المثال، تمتلك الجزائر على النقيض من مصر احتياطات ضخمة من النفط والغاز). في مصر، اعتاد الجيل الأكبر سنا في جماعة الإخوان المسلمين على السجن والحياة تحت الأرض، ولكن هناك العديد من الأسباب التي تجعلنا نعتقد أن الأتباع ة الأحدث سنا سوف يردون بالإرهاب والعنف. إن مصر وسوريا واليمن وتونس، وقريبا ربما بعض الدول الأخرى في المنطقة، سوف تخدم كأرض خصبة لتنظيم قاعدة جديد أكثر عسكرية، سيصبح عاملا أكثر قوة في نشاز الشرق الأوسط من المصالح والأيديولوجيات. والواقع أن الولايات المتحدة بشكل خاص، والغرب عموما، ليس لديه ما يفرضه من نفوذ أو ضغوط حقيقية إلا القليل، لذا فإنه سوف يشكو ويتذمر ويهدد ويشجب الأهوال المقبلة، ولكنه في نهاية المطاف سوف يسعى وراء مصالحه وليس مبادئه.
فعلى سبيل المثال، تُعَد مصر بسيطرتها على قناة السويس وسلامها البارد مع إسرائيل أكثر أهمية على المستوى الإستراتيجي من أن ينبذها الغرب ببساطة.
فالنظام الذي دعمته الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ينهار الآن، ولا نرى رغم ذلك نظاما جديدا ينشأ في محله، وبدلا من هذا، لا يوجد هناك سوى الفوضى المنتشرة التي تهدد بالامتداد إلى ما هو أبعد من حدود المنطقة. في أعقاب الفشل المذهل على يد الرئيس جورج دبليو بوش ونائبه ديك تشيني، وفي ظل أوهام المحافظين الجدد التي أوحت لهما بالمقدرة على تولي كل الأمور بلا شريك أو ناصح، لم تعد الولايات المتحدة راغبة أو قادرة على تحمل عبء كونها القوة الأخيرة القادرة على فرض النظام في الشرق الأوسط. فبعد أن أنهكت قواتها في أفغانستان والعراق، وفي مواجهة التقشف الاقتصادي في الداخل، تنسحب الولايات المتحدة الآن، وليس هناك أي قوة أخرى لتحل محلها. إن الانسحاب واحد من أخطر المناورات العسكرية، لأنه يمكن أن يتدهور ببساطة إلى حالة من التقهقر المذعور والفوضى. مع اقتراب موعد انسحاب الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي من أفغانستان، فإن احتمالات حدوث اضطرابات في المنطقة الواقعة بين شمال أفريقيا وسلسلة جبال هندوكوش سوف تزداد إلى حد كبير على حافتها الشرقية. وما يمكننا أن نتعلمه اليوم من الأزمة المطولة في الشرق الأوسط هو أن القوى الإقليمية تحاول على نحو متزايد الحلول محل الولايات المتحدة كقوة لفرض النظام. وهذا أيضا من شأنه أن يشعل الفوضى، لأن أيا من هذه الكيانات لا تملك القدر الكافي من القوة لتحمل العبء الأميركي. “مع اقتراب موعد انسحاب الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي من أفغانستان، فإن احتمالات حدوث اضطرابات في المنطقة الواقعة بين شمال أفريقيا وسلسلة جبال هندوكوش تزداد إلى حد كبير” وعلاوة على ذلك فإن الانقسام بين السُنّة والشيعة يؤدي في كثير من الأحيان إلى سياسات متناقضة. ففي مصر، على سبيل المثال، تدعم المملكة العربية السعودية المؤسسة العسكرية ضد الإخوان المسلمين، في حين يدعم السعوديون في سوريا السلفيين ضد المؤسسة العسكرية، التي تتلقى الدعم من أعداء المملكة العربية السعودية الرئيسيين، شيعة إيران ووكيلهم اللبناني حزب الله.
ولكن الصراع على السلطة في المنطقة وما يترتب عليه من عداوات طائفية أيديولوجية يساعد أيضا في خلق الفرصة للتعاون الذي لم يكن من المتصور أنه ممكن إلا نادرا. ومن هذا المنظور، فإن أي محادثات أميركية إيرانية بشأن القضية النووية بعد فوز حسن روحاني في الانتخابات الرئاسية في إيران قد تكون أهميتها أكبر كثيرا. في مصر، سوف تكون الغَلَبة للثورة المضادة العسكرية، ولكن الثورة الإسلامية سوف تعود في نهاية المطاف ما دامت أسبابها قائمة. وفي هذه اللحظة، ليس هناك عمليا أي إشارة إلى التقدم على هذه الجبهة، لذا فعندما تعود الثورة الإسلامية فمن المرجح أن تكون أكثر قوة وأشد عنفا. يسجل التاريخ الأوروبي ديناميكية مماثلة، وخاصة في الثورات والثورات المضادة في القرنين التاسع عشر والعشرين. والواقع أن التركة التي خلفتها هذه الديناميكية لم تتمكن أوروبا من التغلب عليها بالكامل إلا قبل عقدين من الزمان، والآن يبدو أنها تعود من جديد، دون تغيير يُذكَر، في الشرق الأوسط.
تكتسب الانتخابات الرئاسية الأميركية، التي تجري كل 4 أعوام، أهمية كبيرة؛ نظراً لأن الولايات المتحدة الأميركية لا تزال تقف على رأس هرم النظام الدولي، وتتشابك في الكثير من أزماته وتفاعلاته، ومنها منطقة الشرق الأوسط. ورغم أن السياسة الخارجية الأميركية تجاه الشرق الأوسط تحكمها العديد من الثوابت، والمحددات، والمصالح، بغض النظر عن طبيعة الإدارة الموجودة في البيت الأبيض إذا كانت جمهورية أو ديمقراطية، ورغم أن عملية صنع السياسة الخارجية الأميركية تقوم على المؤسسات، وليس الأفراد، فإن شخصية الرئيس الأميركي والفريق الرئاسي المعاون له تؤثر بشكل كبير في تلك السياسة، سواء من حيث التدخل، أو الانعزال، أو من حيث آلياتها، ما بين استخدام الأدوات الصلبة، مثل: القوة العسكرية، والعقوبات والضغوط السياسية، والقوة الناعمة، مثل: المساعدات، والاحتواء، والحوار، والدبلوماسية. وفي السابق، اعتمد الحزب الجمهوري في ظل حكم الرئيس الأميركي الأسبق جورج تبليو بوش (2000م-2008) على امتلاك أحادي للقوة الصلبة لحماية الأراضي الأميركية، وتدعيم هيمنة الولايات المتحدة وفق رؤية ومنظور المحافظين الجدد اليمينية، التي كانت مسيطرة في ذلك الوقت، حيث إن إدارة جورج دبليو تبوش قد جاءت إلى الحكم وهي ترفع شعارات وتتبنى سياسات في ظل هيمنة “المحافظين الجدد” على محاور صنع السياسة الخارجية الأميركية، وتقوم على فكرة إدارة ظهر أميركا للعالم، والحديث عن أنه “إذا تكلمت أميركا فيجب أن يستمع ويطيع العالم”، انطلاقاً من منطق ضرورة فرض الهيمنة الأميركية على العالم بالقوة، وخاضت أميركا حروباً وأسقطت أنظمة، خاصة بعد هجمات 11 من سبتمبر/أيلول 2001. فمنذ هذه اللحظة، أصبحت السياسة الخارجية الأميركية تعتمد على القوة في ظل مفهوم جديد للأمن القومي، حيث أصبح يتعدى الحدود الأميركية ليشمل أي تهديد مستقبلي للأمن والمصالح الأميركية. وقد رفضت أميركا، بناء على هذه الاستراتيجية، التقيد بالقانون الدولي وبالأمم المتحدة والتحالفات والاتفاقيات والمعاهدات الدولية. وعلى العكس من إدارة بوش ، تبنى الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما (2009-2016)، استراتيجية مختلفة تماماً، أُطلق عليها استراتيجية “القوة الناعمة”، عبر تبني سياسة تقوم على عدم استخدام القوة العسكرية في تحقيق مصالح الولايات المتحدة الأميركية، وإنما عبر “القوة الناعمة”؛ وهي أداة فعالة لزيادة النفوذ السياسي على الصعيد الدولي، دون الحاجة للتدخل العسكري، الذي كلف أميركا مليارات الدولارات في العراق وأفغانستان وغيرها من المناطق الساخنة، إلا أن هذه السياسة أدت إلى تراجع دور الولايات المتحدة الأميركية في كثير من المناطق، وخاصة منطقة الشرق الأوسط، التي تشهد الكثير من الأزمات الملتهبة، والتي كان يجب أن يكون للولايات المتحدة الأميركية دور فعال فيها، إلا أن سياسة النأي بالنفس التي اتبعتها إدارة أوباما قد عززت وجود الروس في المنطقة على حساب الدور الأميركي. وفيما يتعلق بالرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب واستراتيجيته المعلنة، فرغم تناقض بعض التصريحات التي صدرت عن الرجل خلال فترة الانتخابات التمهيدية أو الرئاسية، سواء فيما يتعلق بالأوضاع الداخلية أو الخارجية، فإن ترامب أكد، خلال معظم خطاباته السابقة وخلال خطاب التنصيب، مجموعة من المبادئ الرئيسية التي يمكن أن تشكل ملامح السياسة الخارجية الأميركية خلال الفترة المقبلة. ومن خلال خطاباته السابقة، والتي تم الاعتماد عليها في هذا التحليل، يمكن الوقوف على عدد من المبادئ أو المنطلقات الأساسية للسياسة الخارجية الأميركية في عهد دونالد ترامب: 1ـ يتبنى ترامب في سياسته الخارجية مبدأ “أميركا أولاً” كهدف عام من سياسته الخارجية، بمعنى أنه يجب على أميركا ألا تؤّمن مصالح غيرها أو تضعها في اعتبارها بالقدر الحالي، مع ضرورة الالتزام بالمصالح الأميركية والتعامل معها على أساس أنها الدافع الأساسي لأي تحرك على مستوى السياسة الخارجية. فأميركا ليس عليها أن تتحمل عبء حماية أو دفاع عن دول أخرى دون مقابل. لذلك، لا يرى أي مشكلة في تفكك حلف الناتو مثلاً، أو انهيار الاتحاد الأوروبي. 2ـ يعدّ ترامب من أصحاب مبدأ العزلة في السياسة الخارجية، حيث يرى أن الولايات المتحدة ليس عليها أن تتدخل في تنظيم شؤون العالم من حولها وحل مشاكله، ويتجنب في سياسته الحديث عن العالمية.
لذا، يغلب على خطابه الروح القومية؛ بل ويعظم من أهمية الدولة القومية كما أشار صراحةً في خطابه عن سياسته الخارجية. لذلك، لا يفضل التدخل في الأزمات الدولية، إلا إذا كانت مصالح الولايات المتحدة الأميركية معرضة للخطر، فهو من أتباع نظرية الركوب المجاني، بمعنى ترك الأطراف تتصارع، ومن ثم تجني أميركا الثمار.3ـ لا يؤمن ترامب بفكرة التدخل الإنساني كأساس أو دافع للتدخل في الشأن الداخلي للدول. فطالما الأمر لم يمس المصالح الأميركية فلا داعي لتورط القوات الأميركية والسياسة الأميركية في هذا الشأن. لكن، عندما يتعلق الأمر بمصالح الولايات المتحدة، يجب عليها التدخل العسكري الأحادي الذي لا تعتمد فيه على أطراف أخرى. لذلك، لا يرى أي دور لأميركا في الأزمة السورية، إلا في محاربة الإرهاب؛ بهدف حماية الولايات المتحدة الأميركية من هذا الخطر. 4ـ يقف ترامب ضد الهجرة، فهو أكثر توجهاً لتأكيد أن الولايات المتحدة تقتصر على مواطنيها، فهو يسعى إلى تقليص معدل الهجرة إلى الولايات المتحدة؛ بل أحياناً يصل إلى حد منع فئات معينة من الانتقال إلى الولايات المتحدة الأميركية. لذلك، يسعى لبناء جدار مع المكسيك؛ لحماية حدود أميركا من الهجرة والمخدرات. 5. أكد ترامب أهمية إعادة الحيوية للتحالفات السابقة مع الدول الصديقة وإقامة تحالفات جديدة، ولكن من منظور المصالح الأميركية. لذلك، قد نشهد تحولاً في الانتقال من التحالف مع إيران إلى العودة للتنسيق مع الأنظمة العربية، التي قد يكون لها علاقة تقارب قوية مع الولايات المتحدة، وعلى رأسها دول الخليج ومصر، حيث أشار ترامب إلى أهمية التعاون مع دول الخليج. رغم أن الإدارة الأميركية ما زالت في أيامها الأولى، فإن معالم التغيير على السياسة الخارجية الأميركية تبدو واضحة من حيث الشكل والمضمون. لذلك، يبدو أننا أمام تطور ومرحلة جديدة في السياسة الخارجية الأميركية، مرحلة شعارها واستراتيجيتها الرئيسية “أميركا أولاً”، تقوم على أساس تحقيق مصالح الولايات المتحدة الأميركية بعيداً عن العواطف والقضايا الإنسانية، فالرئيس ترامب يسعى خلال سنوات حكمه المقبلة لتحقيق مصالح أميركا أولاً، بغض النظر على مصالح الآخرين، فهو يتجنب الحديث عن العالمية “globalism”؛ لأنه لا يرى في العالمية أي خدمة لأميركا. لذا، يغلب على خطابه الروح القومية؛ بل يعظم من أهمية الدولة القومية، كما أشار صراحة في خطاب التنصيب.
فبالنظر إلى خطابه وخلفيته الاقتصادية وفريقه المعاون الذي يغلب عليه الطابع العسكري، نكون أمام إدارة أميركية جديدة وفق منظور اقتصادي وعسكري. ومن ثم، سوف يغلب عليها طابع الصفقات التجارية من جهة، والمواجهة العسكرية من جهة أخرى؛ بهدف تحقيق المصالح العليا للولايات المتحدة الأميركية.
 
الصراع الدولى حول كسر المواطن وتحويله للاجئ
في عام 1943، وفي دورية يهودية صغيرة مطبوعة تدعى مجلة “مينورا” نشرت حنة آرنت مقالا عنونته بـ “نحن اللاجئين”. في هذه المقالة المختصرة المهمة، وبعد ما قامت برسم صورة إنفعالية للسيد كوهين، ذلك اليهودي المندمج ثقافيا مع محيطه، والذي كان 150 بالمئة ألمانياً، و150 بالمئة نمساوياً، و150 بالمئة فرنسياً، ليستوعب أخيرا وبحُرقة أنه قد فشل مرتين في أن يكون كل ما سبق. لقد قلبت آرنت ظروف المهاجر والإنسان الذي لا يملك وطن -وهي التي كانت كذلك أيضا – رأساً على عقب بغرض تقديم هذه الظروف كباراديغم لتأسيس وعي تاريخي جديد. يستلم هذا اللاجئ الذي فقد كل حقوقه، ورغم ذلك لا يرغب بأن يندمج ثقافيا مهما كان الثمن في هوية وطنية جديدة، لكي يستبصر وضعه بشكل واضح، امتيازا لا يقدّر بثمن، وإن كان بمقابل كراهية معينة: “لم يعد التاريخ كتاب مغلق بالنسبة لهذا المهاجر، ولم تعد السياسة امتياز لغير اليهود. فهو يعلم أن طرد اليهود من أوروبا كان متبوعا بخروج الأغلبية من الشعوب الأوروبية منها. فطرد اللاجئون من بلد لآخر كان يمثل تجربة أولية بالنسبة لشعوب هؤلاء اللاجئين ” حنة آرنت.
 
يستحق النقاش أن نعكس هذا الحس في التحليل على الأوضاع اليوم، خاصة بعد 50 عاما، فهذا الحس لم يخسر أي شئ من قيمته. ليس فقط لأن الأزمة تظهر بذات الشكل الطارئ، في أوروبا وغيرها، لكن أيضا لانها تأتي في سياق إنحدار لا يمكن إيقافه لمفاهيم دولة الأمة والتآكل العام لمفهوم القانوني-السياسي. فاللاجئون ربما هم الشكل الوحيد الممكن تصوره للشعوب المُصوَّرة. على الأقل حتى تنتهي عملية انحلال دولة الأمة وسيادتها، فإن اللاجئ هو الوحيد القادر على تلقي واستيعاب الصيغ والحدود الخاصة بالمجتمع السياسي المستقبلي. بالطبع، إذا ما أردنا أن نكون بنفس المستوى مع المهمة غير المألوفة التي تواجهنا، فإن علينا ترك -بدون أي شكوك- المفاهيم الأساسية التي قدمناها للنقاشات والأطروحات السياسية حتى يومنا هذا (ليس فقط مفاهيم الإنسان والمواطن ذو الحقوق، بل أيضا سيادة الشعوب، مفهوم العامل، إلخ.) وأن نعيد بناء فلسفتنا السياسية باعتبار هذه الفئة المميزة فئة اللاجئ نقطة بداية وانطلاق.
 
برزت ظاهرة اللاجئين كظاهرة كبرى بنهاية الحرب العالمية الأولى، عندما انهارت الإمبراطوريات الروسية، والنمساوية-المجرية، والإمبراطورية العثمانية، حيث قام النظام العالمي الجديد والذي نشأ عن اتفاقيات السلام بخلخلة البنية الديموغرافية والمناطقية لوسط وشرق أوروبا. ففي وقت قصير نزح مليون ونصف مليون شخص من روسيا البيضاء، وسبعمئة ألف أرمنيّ، وخمسمئة ألف بلغاري، ومليون يوناني، ومئات الآلاف من الألمان والمجريين والرومان، من بلدانهم وانتقلوا إلى بلدانٍ أخرى. ويجب أن نضيف إلى الجموع المتحركة هذه الوضع المتفجر الذي أدت إليه تلك الحقيقة القائلة بأن الدول الجديدة التي صنعتها معاهدات السلام على طراز مفهوم الدولة الحديثة (مثل يوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا)، تشكل الأقليات فيها 30 بالمئة من مواطنيها، وأن هذه الأقليات كان يُتوجب حمايتها من خلال سلسلة اتفاقيات دولية (تسمى أيضا اتفاقيات الأقليات)، والتي بقيت مجرد أوراق لا فائدة يرجى منها. وفي السنين القليلة اللاحقة، تسببت القوانين العنصرية في ألمانيا والحرب الأهلية الإسبانية في انتشار وحدات كبيرة من اللاجئين في أرجاء أوروبا.
 
لقد اعتدنا على التفريق بين الشخص الذي لا دولة له وبين اللاجئ، ولكن هذا التفريق الآن كما في السابق، لا يبدو بذات السهولة التي نظن عندما نفكر بداية في الأمر. فمنذ البداية، كان الكثير من اللاجئين والذين كانوا تقنيا ليسوا من أولئك الأشخاص الذين لا دولة لهم وإنما فضلوا أن يكونوا كذلك على أن لا يعودوا لبلدانهم (تنطبق هذه الحالة على البولنديين والرومانيين اليهود، والذين كانوا في فرنسا وألمانيا في أواخر الحرب، أو ضحايا العنف اليوم والاضطهاد السياسي، بالإضافة لأولئك الذين تعتبر العودة لأوطانهم بالنسبة لهم بمثابة إلقاء ذواتهم في التهلكة ونوع من استحالة البقاء). على الجهة الأخرى تم إسقاط الجنسية الأصلية للروس والأرمن واللاجئين المجريين من قِبل الحكومات السوفييتية والتركية على حد سواء. إنه من المهم أن نشير إلى أنه منذ بداية فترة الحرب العالمية الأولى، بدأت العديد من الدول الأوروبية في سنّ قوانين تسمح بإسقاط الجنسية وتأميم أملاك المواطنين. فقد بدأ الأمر في فرنسا في عام 1915 وتبعتها في ذلك بلجيكا، التي سحبت جنسيات مواطنيها الذين ارتكبوا “خيانات وطنية” خلال الحرب العالمية الأولى، أيضاً في عام 1926 قام النظام الفاشي في إيطاليا بتمرير قانون مشابه خاص بالمواطنين “الغير جديرين بالجنسية الإيطالية”، وفي عام 1933 كان الدور على النمسا وهكذا قامت أيضا نورمبرغ في عام 1935 بسن قوانين تفرق بين الألمان كمواطنين كاملي الجنسية ومواطنين منزوعي الحقوق السياسية. هذه القوانين وإسقاط التجنيس العام نتجت عنها نقطة مفصلية للحياة داخل دولة الأمة الحديثة وتحررها التام من المفاهيم الأصلية للـ “شعب” وللـ “المواطن”.
 
ليس هذا بموضع من أجل مناقشة تاريخ اللجان الدولية المختلفة والتي من خلالها رغبت الدول وعصبة الأمم ولاحقا الأمم المتحدة في التعامل مع أزمة اللاجئين من خلال مكتب نانسن للاجئين الروس والأرمن (١٩٢١) إلى الهيئة المفوضية العليا للاجئين في ألمانيا (١٩٣٦)، إلى اللجنة الحكومية الدولية للاجئين (١٩٣٨) ومنظمة اللاجئين في الأمم المتحدة(١٩٤٦) إلى المفوضية العليا للاجئين الحالية (١٩٥١). والأخيرة طبقا لنظامها الأساسي، تنص على أن عملها عمل “إنسانوي اجتماعي”، وليس سياسي وأنها ليست بمنظمة فاعلة سياسيا. إن النقطة الأساسية هي أنه في كل مرة لا يمثل فيها اللاجئون حالة فردية ولكن ظاهرة اجتماعية (كما حدث بين الحربين العالميتين، وكما يحدث الآن)، تُثبت كلّ من هذه المنظمات وتلك الدول بالرغم من الاستغاثات الجادة لها بسبب فقدان حقوق مكفولة ولا غنى عنها من حقوق الإنسان، تثبت أنها ليست فقط غير قادرة على إيجاد حلٍ لهذه الأزمات، ولكنها أيضا فاشلة بالتعامل مع هذه الأزمات بالشكل المطلوب. وبهذه الطريقة يصبح الإشكال هذا كله قد انتقل من يد الشرطة إلى يد المنظمات الإنسانية.
 
ويكمن سبب هذا العجز ليس فقط في الأنانية وانحجاب الرؤية لدى الأجهزة البيروقراطية، وإنما في المفاهيم الأساسية التي تنظم وتنقُش مفهوم المواطن (ويقصد بهذا حياته) في النظام القانوني في داخل مفهوم دولة الأمة. كانت حنة ارنت قد خصصت الفصل الخامس من كتابها عن الإمبريالية، والذي خُصِّص لنقاش مسألة اللاجئين، وعنونته بـ “انحطاط الدولة الأمة ونهاية حقوق الإنسان”. هذه الصياغة -التي لا مناص منها -والتي يجب أخذها بجدية، تربط مصير حقوق الإنسان بمفهوم الدولة الوطنية الحديث، بطريقة تجعل إنهيار الدولة مؤدٍ بالضرورة لأن تكون حقوق الإنسان آيلة للزوال. والمفارقة هنا تكمن في أنه ذلك القالب – مفهوم اللاجئ – بالتحديد والذي كان لزاما عليه أن يُجسِّد مفهوم تساوي البشر، شكّل على النقيض الأزمة الجذرية لذات المفهوم. كتبت حنة ارنت عن مفهوم حقوق الإنسان: “إنّ مفهوم حقوق الإنسان، المبنيّ على افتراض وجود الإنسان كإنسانٍ محض، انهار تمامًا حالما قابَل المؤمنون بِهِ أُناسًا خسِروا حقًا كل ميزة وَصِلةٍ خاصّة أخرى سِوى واقع كونهم بشرًا”. ففي نظام دولة الأمة، يكون ما يُزعم بأنه مقدس ولا يُتخلى عنه من حقوق للإنسان، ثبُت بأنه غير محمي بتاتا في تلك اللحظة التي لا تُصنف فيها تلك الحقوق كحقوق مواطن تلك الدولة. وهذا مُضمّن -إذا ما فكر المرء في الأمر -في غموض الإعلان عن حقوق الإنسان والمواطنة عام ١٧٨٩، والذي لم يكن واضحا فيه هل الإسمين يسمّيان واقعين أو هما فقط صيغة من صيغ المبالغة، حيث لفظة المواطنة في الواقع من الأساس تتضمن الإنسانية؟
 
إن الفاحص للنظام السياسي في دولة الأمة يلاحظ انعدام وجود مجال مستقل، مجال مناسب لشئ مثل الإنسان بصورته المجردة. فحتى في أفضل الأحوال، فإن وضع اللاجئ يعتبر وضعاً مؤقتاً يجب أن يؤدي في نهاية المطاف إلى التجنيس أو العودة للوطن الأصلي. فأن يكون الإنسان بصورته المجردة كإنسان فقط وبصورة دائمة هو وضع لا يمكن تصوره في قانون دولة الأمة.
 
لقد حان الوقت للتوقف عن النظر في إعلانات حقوق الإنسان منذ عام ١٧٨٩ حتى يومنا هذا كإعلان عن قيم أبدية وقانونية تلزم المشرِّعون باحترامها، وأن ننظر لها بعين الإعتبار طِبقا للدور التي تؤديه فعليا في الدولة الحديثة. في حقيقة الأمر، إن حقوق الإنسان تمثل فوق كل شي الشكل والقالب الأصلي الذي يجسد مفهوم الحياة العارية bare-life في النظام القانوني السياسي الخاص بدولة الأمة. تلك الحياة العارية (حياة الإنسان بشكله المجرد) والتي ترتبط في الأنظمة القديمة تاريخيا بالإله، أما في العالم الكلاسيكي هناك تفريق واضح للإنسان المجرد (يسميه أجامبين “زوي”) عن الكائن المنخرط في عالم مسيّس (يسميه أجامبين “بايوس”). هذه المفاهيم تشكل الان مرحلة مهمة في اهتمامات الدولة وتمرحلاتها، ويمكننا القول بأنها تشكل الأسس الدنيوية لها. فدولة الأمة في الأصل تعني تلك الدولة التي تحدد أصلية المولد (المولد هنا يُقصد بها الحياة العارية غير المسيّسة) وتجعل من عملية التحديد هذه أساساً لمفهوم سيادتها. إنه ليس أمر خفيّ أنك تستطيع أن تستشف معنى مقالات الثلاث الأولى من إعلان الحقوق في عام ١٧٨٩: فقد كُتب ان الحقوق هي العنصر الأصلي في صلب أي شراكة سياسية (من المقالة الاولى والثانية) وباستطاعتها الربط بشدة بين مفهومي السيادة والأمة (ويقصد بالأمة هنا طبقا لسياقها اللفظي الولادة). فالتخيل هذا يحدد بأن “الولادة” تؤدي “للأمة” مباشرة، بطريقة تجعل من الاستحالة التفريق بين اللحظتين. الحقوق هنا تعني ما يُعطى للمرء لدرجة تُنهي افتراض وجوده المجرد (لزامٌ عليه، ألا يظهر كمجرد إنسان) لمصلحة أن يكون مواطناً.
 
إذا كان وضع اللاجئ يُعبَّر عنه كعنصر مُقلق في النظام المكوِّن لدولة الأمة، فذلك يعود قبل كلّ شئ إلى فصل هوية الفرد إلى إنسان ومواطن، والفصل بين الولادة والجنسية، حيث يقوم اللاجئ برمي هذا التخيل لمفهوم السيادة عند الدولة في صلب دوامة الأزمة. رغم ذلك كان هناك استثناءات لهذه القاعدة بطبيعة الحال، التي نجدها في بِدع عصرنا والتي تهدد الأسس الأولية لدولة الأمة، وأهم هذه البِدع بطبيعة الحال هي تزايد عدد البشر الذين لم تعد دولة الأمة قادة على استيعابهم والتعبير عنهم. ونظراً لأن اللاجئ يزعج ذلك الثالوث القديم (الدولة/الأمة/الأرض)، وعلى ما يبدو أن هذا الرمز الهامشي (اللاجئ) يستحق أن يكون هو الرمز الرئيسي في تاريخنا السياسي. سيكون من حَسَن الأمور ألا ننسى المخيمات القديمة التي شُيّدت في أوروبا كمجمعات للتحكم والسيطرة على اللاجئين، وما توالى بعد ذلك من مخيمات الإسكان الجبري إلى مخيمات الإعتقال، إلى مخيمات الإبادة حيث تمثل هذه المخيمات تسلسل طبيعي لما سبقها. إن إسقاط الجنسية عن اليهود والغجر كان أحد القوانين التي مهدت لإطلاق عملية “الحل الأخير” النازية، والذي تم فقط بعد ما سبق ذكره (وكان قد شمل ذلك المواطنين من الدرجة الثانية الذي منحوا هذا التصنيف عقِب قوانين نورمبرغ التي ورد ذكرها آنفا) وأصبح ممكنا أن يتم إرسالهم لمخيمات الإبادة. فحقوق الإنسان لم تعد حينها حقوق المواطن، فحينها يصبح الإنسان قابل أن يُضحّى به، بالمعنى القانوني الروماني القديم: من لا عِقاب في قتله.
 
لزامٌ علينا ان نفصل بين مفهوم اللاجئ من مفهوم حقوق الإنسان، وأن نتوقف عن اعتبار حق اللجوء – والذي يتم حظره بشكل كبير تشريعيا في الكثير من دول أوروبا – كتصنيف مبدئي تتأثر به ظاهرة اللجوء. فاللاجئ يجب أن يُنظر له بما هو عليه، وذلك بأن يُنظر له بأنه أزمة حدود، أزمة تشكك في مفاهيم دولة الأمة، وفي نفس الوقت تفسح المجال لأي تصانيف أخرى غير قابلة للتأجيل. تفترض أزمة ما يسمى باللاجئين غير الشرعيين إلى المجتمعات الأوروبية (والتي بافتراض ذلك في السنوات القادمة عندما يدخل 20 مليون لاجئ إليها قادمين من أوروبا الوسطى) عدة خصائص وأبعاد من أجل أن تبرر هذه الثورة في وجهات النظر. فما تواجهه الدول الصناعية اليوم هو إقامة دائمة من قِبل غير المواطنين، والذين هم لا يريدون ولا يستطيعون الحصول على الجنسية ولا أن يعودوا إلى أوطانهم. فغالبا غير المواطنين هؤلاء لديهم جنسيات أصلية في المقام الأول، ولكن نظراً لأنهم لا يفضّلون خدمات دولهم الأصلية الأمنية وحمايتها، فهم كاللاجئين تماما، “عديمي الجنسية بحكم الواقع” بالنسبة لأولئك المقيمين. ابتكر الكاتب توماس هامار لفظة جديدة وهي “الإنسان المؤقلم”، والتي تتميز بقدرتها على إظهار أن مفهوم المواطن لم يعد كاف لوصف الواقع الإجتماعي السياسي في الدول الحديثة. وفي المقابل يبرهن مواطنو الدول الصناعية المتقدمة (في الولايات المتحدة وأوروبا) من خلال هجرهم الموثّق للمشاركة السياسية، والميل الواضح للتحول إلى “الإنسان المؤقلم”، إلى الإنسجام مع المبدأ المعروف القائل بأن الإندماج المجتمعي الجوهري في وجود اختلافات أساسية يضرّ بالكراهية والتعصب والبغضاء وكراهية الأغراب، وإلى زيادة التضامن الجمعي.
 
وقبل أن تقوم الدولة الأوروبية بإعادة فتح معسكرات الإبادة (وهذا ما بدأ بالتحقق فعلا)، على دولة الأمة أن تجد الشجاعة في ذاتها وأن تطرح مبادئها الأولية للنقاش. مبادئ مثل الولادة وثالوث الدولة/الأمة/الأرض التي تقوم عليها فكرة الدولة الحديثة من الأساس. ربما من الجدير هنا أن نشير إلى اتجاه محدد، فكما يعرف جميعنا أنه من الخيارات المقترحة لمشكلة القدس وكونها عاصمة بالتزامن وبدون تقسيم حدودي لـ”دولتين” مختلفتين. المفارقة الكامنة في الدولة الإقليمية المعكوسة (أو من الأفضل تسميتها اللا أقلمة) والتي من الممكن أن تُعمّم كنمط جديد من العلاقات الدولية. فبدلا من “دولتين” يفصلهما حدود غير مؤكدة ومُهَددة بالزوال، يستطيع المرء منا تخيّل مجتمعان سياسيان يتجاوران في نفس المنطقة ويتداخلان بشكل جمعي في بعضهما البعض، تفرقهما “اللا أقلمة” التي تجعل من القاعدة الفاصلة ليس المواطن والمواطنة، ولكن كملجأ كبير من الأفراد. بطريقة مشابهة نستطيع النظر إلى أوروبا لا “كأمم أوروبية” مستحيلة، تظهر نتائجها الكارثية على المدى القصير، ولكن كفضاء قائم خارج حدود الدول يستطيع من خلاله سكان الدول الأوروبية (مواطنون وغير مواطنون) أن يكونوا لاجئين، وأن يكون معنى كونك أوروبي أن تكون نازح (بالطبع لن يكون المرء مرتحِلا). هكذا سيصبح الفضاء الأوروبي معبراً عن هوّة لا تُردم بين الولادة والأمة، وأن يكون المبدأ القديم للشعب (والذين كما نعرف هم دائما أقلية) باستطاعته أن يجد حسّاً سياسية من خلال معارض صارمة لمفهوم الأمة (والذي يتم إنتهاكه بشكل غير ملائم). ولن يتطابق هذا الفضاء الأوروبي الجديد مع أي أرضية وطنية متجانسة، ولا طوبوغرافيتها كمجموعة، ولكنه سيعمل على هذه الأرضيات كموجد للفراغات بداخلها والمقسم لها طوبوغرافيا تماما كقارورة ليدن المعروفة، حيث يكون الجزء الخارجي والداخلي عاملان وسيطان فقط لا أكثر. ففي هذا الفضاء تكون المدن الأوروبية تدخل في ضمن نطاق الإعفاء القانوني أو اللا قانون (extraterritoriality)، هذا الإعفاء سيخول الأوروبيين من إعاد اكتشاف مقدراتهم التاريخية كمدن عالمية.
في المنطقة المتنازع عليها بين لبنان واسرائيل اليوم، هناك أربع مائة وخمسة وعشرون فلسطينيا تم تهجيرهم من قبل دولة اسرائيل. بحسب اقتراح حنة ارندت، فإن هؤلاء الأشخاص يشكلون طلائع شعب جديد. هذا لا يعني بالضرورة أو حصريا أنهم يمكن أن يكونوا النواة لدولة قومية مستقبلية، والتي من الممكن أن تكون حلاً للمشكلة الفلسطينية بنفس السوء الذي حلت به اسرائيل السؤال اليهودي على الأرجح، لكن بالأحرى فإن المنطقة المتنازع عليها التي لجأوا إليها وجدت بأثر رجعي داخل حدود دولة اسرائيل، مما يعني تقسيمها وتغييرها بحيث أن صورة ذاك “التل المغطى بالثلج” قد أصبحت جزءا من تلك
المنطقة أكثر من أي منطقة تابعة لاسرائيل. لا يمكن تخيل نجاة الإنسان السياسية اليوم إلا حيث تكون أراضي الدول متداخلة ومشوهة طبوغرافيا، وحيث يكون المواطن قد تعلم الاعتراف باللاجىء والذي هو ذات المواطن.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
تعليقات فيسبوك

أكتب تعليقك